الرئيسية / ثقافة / محمد ولد الطلبة اليعقوبي

محمد ولد الطلبة اليعقوبي

أكثر من اهتم من الشعراء الشناقطة (الموريتانيين) بشعر المعارضات، هو الشاعر الكبير محمد ولد الطلبة اليعقوبي المتوفى سنة (1272هـ 1856م).

هذا الشاعر الذي اشتهر في أيامه بجودة شعره وعلمه وكرمه الحاتمي. يقول صاحب الوسيط نقلا عن العلامة محمد فال بن متالي بخصوص محمد ولد الطلبة:

(لا تكاد تعد طبقة الا بدأت به،.. إذا عد الكرام فهو حاتمهم، او العلماء اللغويون فما هو بدون ابن سيده، وكل أخباره تكتب بالذهب..).

لقد قرض ولد الطلبة الشعر في كافة أغراضه، ولم يترك مكانا في البادية الموريتانية في نواحي تيرس الا وخلد ذكره في شعر النسيب الجيد، لديه هذا النسيب المليء باللوعة والمعاناة على فراق الأحبة بفعل التأثير الدرامي للزمن، وذلك بمهجة محروقة وتأمل فلسفي عميق. ولعل أكثر غرض شعري أطنب فيه وأبدع من خلاله، هو غرض المعارضات مع الشعراء العرب في صدر الإسلام أمثال:

الشماخ بن ضرار، وحميد بن ثور، وذلك حينما نظم جيمية طويلة يعارض بها جيمية الشماخ بن ضرار الشهيرة، وميمية يعارض بها ميمية حميد بن ثور. وعندما انتهى من نظم جيميته قال: (ارجو من الله أن اقعد انا والشماخ ابن ضرار في نادٍ من أهل الجنة وننشد بين ايديهم قصائدنا لنعلم أيها أحسن؟).

ويقول ولد الطلبة في مطلع قصيدته الجيمية التي يعارض بها جيمية الشماخ:

تطاول ليلُ النازعِ المبتهجِ

أما لضياء الصبح من متبلجِ

ولا لظلام الليل من متزحزحِ

وليس لنجمٍ من ذهابٍ ولا مجِي

كأن به الجوزاءَ والنجمَ ربربُ

فراقدُها في عنةٍ لم تفرجِ

وتحسب صبيانَ المجرةِ وسطحها

تناوير أزهارٍ نبتْنَ بهجهجِ

فلو كان يفنى الهمّ أفنى مطالُهُ

همومي، ولكنْ لجَّ في غيرِ ملججِ

والقصيدة طويلة، وهي حسب رأي ناظمها اجود من قصيدة الشماخ بن ضرار العطفاني الصحابي الكبير. ولعل الحكم على القصيدتين متروك للنقاد، لكن الحكم الذي يمكننا أن نصدره بحقهما الآن إنما هو الجزم بأن قصيدة ولد الطلبة لا تقل قوة لغة ولا شاعرية عن سابقتها.

ولعل من قرأها قبل أن يعرف صاحبها انما سيعيرها للفترة الأموية، او حتى الجاهلية، مما يعني أن الرجل شأنه شأن غيره من شعراء الصحراء الموريتانية لم يجدوا قبلة في الشعر ينقلبون إليها او يتخذونها قدوة الا قبلة عهد قوة الشعر وفحولته أيام الجاهلية وصدر الإسلام.

ولعل النظر الى مطلع قصيدة الشماخ بن ضرار ومقارنته بما اوردناه من قصيدة ولد الطلبة تزكي ما ذهبنا اليه، إذ يقول الشماخ:

ألا ناديا إظعان ليلى تعرِّجِ

فقد هجْنَ شوقا ليته لم يهيَّجِ

أقولُ وأهلي بالجنابِ وأهلها

بنجدين: لا تبعد نوى أمِّ حشرجِ

وقد ينتأي مَن قد يطول اجتماعُهُ

وتخلج أشطان النوى كل مخلجِ

الى آخر القصيدة، فهي طويلة مثلها مثل قصيدة ولد الطلبة المعارضة لها. لكن ما يجمع بين القصيدتين، من لون شعري ومتانة لغة وأصناف الهموم، واحد.

والواقع أن ولد الطلبة لم يكتفِ بمعارضة الشماخ، بل إنه عارض ميمية حميد بن ثور المشهورة بأخرى يقول في مقدمتها:

تأوبهُ طيفُ الخيالِ بمريما

فباتَ معنًّى مستجنًّا متيما

تأوبه بعدَ الهجوعِ فهاضَهُ

فأبدى من التهيامِ ما كانَ جمجما

لطاف بها حتى إذا النفسُ اجهشتْ

وابدتْ بناناً لي خضيباً ومِعْصما

تولى كأنَّ اللمحَ بالطرفِ زورُهُ

وكان وداعاً منه إنْ هو سلَّما

والقصيدة طويلة طول قصيدة حميد بن ثور، وهي كذلك شأنها شأن معارضته للشماخ لا يكاد يفصل بين شاعريتها ولغتها عن شاعرية ولغة قصيدة حميد بن ثور. والواقع أن محمد ولد الطلبة مختلف عن ولد رازقة، الشاعر الشنقيطي الذي اوردناه في المقالة السابقة، بالطابع الجاهلي الغالب على شعره.

فبينما نرى شعر بن رازقة أكثر تأثرا بشعر المدينة الأندلسية التي عرفها من خلال إقامته الطويلة في مكناسة الزيتونة وعاصمة السلاطين العلويين ذوي الحس المدني الراقي والمرهف، فإن شعر ولد الطلبة ظل أسير البيداء الصحراء، شأنه شأن شعراء العهد الجاهلي والأموي، وهكذا حذا أثرهم في القصيدة. غير أن استلابه في البيداء لم يسلبه شاعريته الرائعة، وروعة تمثله لوقائعه مع ما طبع شعر ولد الطلبة من مسحة حكمية وفلسفية مؤثرة.

موقع صحفي اضافة ولد العتيق 2010م

شاهد أيضاً

العلامة بن تطوير الجنة

هو أحمد المصطفى الطالب بن تطوير الجنة الحاجي ولد في القرن الثاني عشر الهجري 1145للهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *