الرئيسية / ثقافة / يوم دراسي في زمن المدرسة الجمهورية الأولى / أحمد عبد السلام

يوم دراسي في زمن المدرسة الجمهورية الأولى / أحمد عبد السلام

عندما أذن المؤذن معلنا بداية السدس الأخير من الليل أيقظني والدي، رحمه الله، ورافقني إلى المحضرة. وجدت أمامي، كما هو معتاد، بعض أطفال الحي من مختلف  الأعمار والمستويات الدراسية المحضرية وقد أوقدوا نارا يجتمعون حولها، تزودهم بالإنارة الضرورية لقراءة ألواحهم. 

لقد تجاوزت منذ فترة مرحلة التهجي و بدأت كتابة بعض سور القرآن و حفظها. يكتب لي شيخ  المحضرة، رحمه الله، في لوح مستخدما حبرا مصنوعا من مزيج من الصمغ العربي والفحم الحطبي و الماء.

بقيت في المحضرة كعادتي حتى أشرقت الشمس، فعدت مسرعا إلى المنزل (خيمتنا) بحثا عن فطور غير متوفر دائما. ففي الحي المتنقل لا توجد مخبزة ولا دكاكين. صادفني الحظ في ذلك اليوم فوجدت رغيفا (أصبوح)، مزجته باللبن وتناولته. كان بيع المواد الغذائية في ذلك  الزمان يجلب العار ولا يتجرأ أصحاب المروءة – وما أكثرهم- على امتهان التجارة في الحي.

ذهبت عند الساعة السابعة وأربعين دقيقة إلى المدرسة لا أحمل معي أي أداة. فجميع الأدوات من كتب ودفاتر وأقلام يحتفظ بها المعلم، يوزعها علينا أثناء الأنشطة التعلمية ويحفظها عند نهاية الدوام في صناديق خاصة بها.

لا مجال للواجبات المنزلية، فالمعلم يشرف على جميع الأنشطة التعلمية من حفظ للدروس وإنجاز للتمارين وينوب عن الأسر في مواكبة دراستنا.  فنحن جيل المدرسة الأول ولا أحد في حينا يعرف اللغة الفرنسية.

عند الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة، أعطى المدير، وهو أيضا معلم اللغة الفرنسية، إشارة إذن الاقتراب من المدرسة وذلك بواسطة صفارة زودته السلطات بها مع جهاز راديو، عند اكتتابه وتحويله إلى المدرسة. لقد اكتتب هذا المعلم، أطال الله في عمره وحفظه من كل سوء، بعد حصوله على شهادة ختم الدروس الابتدائية ولم يستفد من أي تكوين أولي، لكن مثابرته وإخلاصه وحبه لمهنته جعله يكتسب بسرعة كفاءات مهنية تجاوز مستواها مستوى كفاءات معظم أولئك الذين حصلوا على تكوين مهني متخصص داخل المدارس المهنية.

بعد إطلاق الصفارة، اصطففنا أمام الخيمة في هدوء ونظام على أساس مبدإ الصغير في الأمام والكبير في الخلف. بعد الترتيبات المتعلقة بتنظيم الصفوف، دخلنا بهدوء وسكينة. كل تلميذ يجلس في مكان ثابت خاص به على حصيرة من ‘’أزران’’ على أساس نفس المبدإ المستخدم في تنظيم الصفوف عند الدخول.

جلست في مكاني في الصف الأول ونظرت أمامي مشبكا ساعدي.

دخل المعلم وبدا بإعطاء بعض الأوامر الروتينية: قفوا، اجلسوا، انظروا أمامكم، شبكوا السواعد وقد عرفت فيما بعد أن الغرض من هذه الأوامر هو بعث النشاط في روح كل تلميذ وتهيئة جميع التلاميذ للدرس.

بعد متابعة تنفيذ الأوامر، كتب المعلم تاريخ اليوم على السبورة ثم قرأه وأمر بعض التلاميذ بقراءته.

بعد ذلك، مباشرة، بدأت الحصة الأولى وكانت درسا في الأخلاق مدته سبع دقائق تبدأ به الدروس كل يوم.. تتناول هذه الحصص بعض القيم الأساسية كاحترام الكبير والصدق والأمانة والمواظبة على الدراسة واحترام الوقت وحب الوطن واحترام الآخر…

بعد نهاية حصة الأخلاق، بدأ المعلم في توزيع كتب القراءة إيذانا ببدء حصتها التي تدوم حوالي ثلاثين دقيقة. نستخدم في القراءة كتابا من سلسلة  مامدو وبنتا ((Syllabaire)) وهو كتاب معد للأطفال الأفارقة يعتمد الطريقة الجزئية في القراءة ((Méthode syllabique)). تمكنا في مدة قصيرة، من خلال متابعة تسلسل صفحات هذا الكتاب، من القراءة رغم  أننا في أغلب الأحيان لا نفهم كل ما نقرؤه. كان المعلم يركز  كثيرا على التكرار الفردي والجزئي والجماعي.

كانت حصة القراءة مناسبة لتمرير بعض الصيغ الضرورية للتحدث باللغة الفرنسية التي لا يسمح بالتحدث بغيرها أثناء حصص الفرنسية. وكان المعلم يستخدم أداة ’رمزا’’، ’’symbole’’ وهي عبارة عن عود صغير من الخشب يسلم لكل من يتكلم بغير اللغة الفرنسية ويعاقب في نهاية الدوام آخر من وجد لديه هذا العود عقابا جسديا. وكان من يتسلمه، ينقطع انتباهه نهائيا عن الدرس لكونه ينشغل تماما في مراقبة زملائه لعله يجد الفرصة للتخلص من هذه الأداة المخيفة ويسلمها لآخر.

لقد لعب هذا الأسلوب العقابي، الذي يحمل في طياته ظلما غير متعمد، دورا كبيرا في إجبارنا على التحدث باللغة الفرنسية، حيث مكننا منذ الأيام الأولى للدراسة، وفي غياب استخدام اللغة خارج المدرسة، من خلق فضاء تحت هذه الخيمة أتاح لنا فرصة التعبير بدون خجل بهذه اللغة. وكان معلمنا نعم الرفيق يواكبنا بالتصحيح والتكرار والتشجيع.

لقد ورثت المدرسة الجمهورية الأولى هذه الأداة le symbole عن مدرسة المستعمر واختفى استخدامها تدريجيا بعد إصدار النصوص التشريعية المحرمة للعقاب الجسدي وخاصة المقرر الشهير المعروف بالمقرر701.

عد نهاية حصة القراءة، بدأ درس الحساب الذي يستخدم فيه المعلم الوسائل المتاحة من عيدان و حجارة

أثناء الحصة يتأكد المعلم من استخدام كل تلميذ لوسائل العد واحترام التعليمات المتعلقة بزيادة عدد أو نقصه حسب الوضعية الحسابية المستهدفة وفي آخر المطاف يجسد العمليات على السبورة ثم  يقرؤها ويأمر بعض التلاميذ بقراءتها. تعاد قراءة كل عملية عدة مرات و كانت طريقة التكرار معتمدة في جميع الحصص، حتى أن معظم التلاميذ يتمكنون من حفظ ما يكتب على السبورة قبل التجاوز إلى حصة أخرى.

قبل نهاية الحصة، يوزع المعلم الدفاتر والأقلام على التلاميذ ويأمرهم بكتابة التاريخ والعمليات ويحرص على التثبت من صحة ما يكتبه كل واحد منهم.

لم تكن الأقلام ذات الحبر الجاف ((Bic)) المتوفرة اليوم موجودة آنذاك وإنما توضع أمام كل واحد منا محبرة بها حبر سائل يحضره المعلم وبحوزتنا أقلام تغمس في الحبر ويكتب بها. ولإزالة قطرات الحبر التي قد تسيل من القلم، نستخدم ‘’نشافة’’ ((buvard))، ورقة تمتص الحبر بدون أن يبقى له أي أثر، معدة أصلا لهذا الغرض. فأثر هذه القطرات يشوه الكتابة ويدنس الورق ونحن نسهر على نظافة وجمال دفاترنا.

لقد اكتمل الجزء الأول من الفترة الصباحية وحان وقت الاستراحة. خرجنا بهدوء من الخيمة في انتظار أن تعلن الصفارة مجددا لحظة استئناف الدراسة. إنها فرصة للعودة مرة أخرى إلى المنزل بالنسبة للبعض ومناسبة يلعب فيها آخرون بعض الألعاب التقليدية.

انتهت الاستراحة فاصطففنا من جديد أمام الخيمة قبل أن ندخل بنظام وانضباط.

بعد التأكد من جلوس التلاميذ، كل في مكانه، وإصغائهم، بدأت دروس العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا اتباعا. استخدم المعلم بعض وسائل الإيضاح ودعمها برسوم رسمها على السبورة لينتهي كل درس بملخص قصير يحفظه التلامذ من خلال التكرار.

قبل نهاية حصة الدوام الصباحية التي تنتهي على تمام الساعة الثانية عشرة زوالا، اختتمت الحصص بنشيد قرأه  المعلم عدة مرات و أعدناه بعده تمهيدا لحفظه في الحصة المقبلة كانت الأناشيد والمحفوظات منتقاة من إنتاج شعراء بارزين، أمثال Jean de La Fontaine وVictor Hugo وغيرهما.

وتمكن هذه الأناشيد من إثراء المعجم اللغوي كما تساهم في كسر الروتين وإزالة الملل والتعب المرتبطين بالدروس ذات الطابع الجاد.

عند نهاية وقت الدوام الصباحي خرجنا بهدوء و انضباط وغادرت المدرسة متجها إلى المحضرة لقراءة ما كتبه لي في غيابي شيخ المحضرة. واصلت هذه القراءة حتى الساعة الواحدة والنصف زوالا حيث سمح  لي الشيخ بالذهاب إلى المنزل.

ذهبت الى المنزل أملا في أن أجد الغداء جاهزا غير أنه تأخر في هذا اليوم بسبب نقص في الماء وتأخر من ذهبوا لجلبها من البئر البعيدة عن الحي. لكن أسرتي تحتفظ دائما بمواد غذائية يمكن تحضيرها بسرعة في هذا النوع من الظروف كان لي ما أردته وعدت من جديد إلى المحضرة وبقيت فيها حتى الساعة الثانية وخمسين دقيقة ثم توجهت بعد ذلك إلى المدرسة.

تبدأ الدراسة في الدوام المسائي، عند الساعة الثالثة ظهرا بنفس الطريقة التي يبدأ بها الدوام الصباحي: الصفارة، الصفوف، الدخول بنظام ثم الجلوس في الأماكن الثابتة.

بدأ معلم العربية رحم الله وجزاه عنا خيرا، وهو خريج المحاضر العريقة في المنطقة بالبسملة تأسيا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر وبعد ذلك انطلقت الدروس اتباعا: درس في السيرة استخدم في تقديمه أسلوب القصص المشوق ثم القراءة التي اعتمد فيها الطريقة الجزئية مع السهر على سلامة مخارج الحروف والحرص على أن يقرأ كل تلميذ وأخيرا الأناشيد والمحفوظات وكانت هذه الحصة الأخيرة تشد دائما انتباهنا وتثير لدينا الرغبة في حفظ المزيد من الشعر، وقد حفظنا بالفعل النشيد الوطني وبعض القطع الشعرية المتعلقة بدور العلم وبرور الوالدين وحب الوطن ومكانة اللغة العربية…..

إن معلم العربية، رحمه الله، رغم أن هذه اللغة كانت لغة تدريس ثانوية ورغم أنه لم يحصل على أي تكوين يحضره لمهنة التدريس، استطاع بعلمه الغزير ومواظبته ومثابرته وحنانه وحبه للخير وسعيه من أجله، أن يمتلك مهارات وكفاءات تربوية ومهنية عالية ساهمت بشكل كبير في تكوين جيل صالح متشبث بموروثة الثقافي، منفتح على ألأخر، محب للغة الضاد وقادر على استخدامها في كافة مجالات العمل.

لقد كان لنا أبا حنونا ومدرسا مخلصا وقام رحمه الله بدور كبير وفعال بغية استمرار هذه المدرسة- الخيمة- التي أسست لتكوين عدد كبير من الأطر، من أطباء ومهندسين وخبراء اقتصاديين وإداريين وأساتذة ومفتشين ومعلمين ساهموا بشكل كبير في تطوير البلد وتنميته.

عند اكتمال الدروس انتهي وقت الدوام عند الساعة الخامسة، فصلينا العصر خلف المعلم.

بعد صلاة العصر توجهت من جديد إلى المحضرة وبقيت فيها حتى غروب الشمس، أكرر قراءة ما كتب لي بغية حفظه واستظهر ما سبق ثم قمت ببعض الخدمات لصالح أسرة شيخ المحضرة.

وهكذا تتكرر الأيام والأنشطة بنفس الوتيرة.

ونظرا إلى أن أيام تعطيل الدراسة بالمحضرة تختلف عن أيام تعطيلها بالمدرسة، كانت الأيام كلها خلال السنة الدراسية، أيام تعلم وعطاء وهذا ما جعل جيل المدرسة الجمهورية الأولى يتعود على التحمل والصبر والمثابرة.

وفق الله الجميع وحفظ موريتانيا

من موريتانيا الآن

شاهد أيضاً

بالصور أغرب9 تقاليد للشعوب حول العالم

تتعدد ثقافات وعادات الشعوب حول العالم، وتختلف من بلد لآخر، فمنها ماهو  مألوف للبعض، ومنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *