الرئيسية / ثقافة / نحو عصر جديد في تربية المواطنة / الدكتور علي صباغ

نحو عصر جديد في تربية المواطنة / الدكتور علي صباغ

شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي أحداثا متلاحقة وتطورات سريعة جعلت عملية التغيير أمرا حتميا في معظم دول العالم، وقد انتاب القلق بعض المجتمعات من هذا التغيير السريع ولذلك زاد اهتمامها بتربية المواطنة، وأخذ يستحوذ على عناية المفكرين والعاملين في الحقل التربوي وبشكل ملحوظ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الذي اتسم باختلاف القيم وقواعد السلوك وتنامي العنف وتفكك العلاقات وتشابك المصالح(1).

وإن تجاهل تربية المواطنة لمتطلبات العصر الجديد لم يعد مقبولا وسط نظام عالمي اجتماعي وقيمي متغير، يدعي أكثر فأكثر العمل على تأمين حقوق الإنسان، وفي عصر الانفجار المعرفي والثقافي، وتعقد شبكات الاتصال والتواصل بتكنولوجيات عالية المستوى، وهذا ما يحتم على المؤسسات التربوية أن تؤسس لتربية مواطنة جديدة تتسم بالوعي الفكري والأدائي، حتى تؤهل المواطن لممارسة الأدوار الفاعلة في المجتمع الدولي المعاصر.

وإذا كانت التربية بوجه عام، والتربية الاجتماعية بوجه خاص تشكل الحجر الأساس في بناء المواطن، فإن تربية المواطنة في الألفية الثالثة ينبغي أن تبنى على مبادئ عامة للحقوق والواجبات التي تمارس في إطار ديمقراطي شامل تتجسد في علاقة المواطن مع وطنه من جهة ودولته من جهة أخرى، بالإضافة إلى العمل على تشكيل الفرد الإنساني القادر على مواجهة الاجتياح العالمي والتكيف مع المجتمع الدولي والمشاركة في إرساء السلام العالمي.

وإننا ربما لا نغالي إذا قلنا، أن هذه المتطلبات هي من الأمور الجوهرية لتوطيد أركان حقوق الإنسان في إطار سليم من المواطنة والديمقراطية، وذلك مـن خلال توفير البيئات التربوية القادرة على إعداد المواطنين وإكسابهم القيم الديمقراطية التي تمكنهم من التفاعل الايجابي والخلاق، مع الآخرين وتأدية أدوارهم في تعزيز وحدة هذا المجتمع في مواجهة تحديات العولمة.

وقد تواجه تربية المواطنة في كثير من المجتمعات العديد من هذه التحديات التي أفرزتها ظاهرة العولمة والتي تحمل في مضامينها تهديدا كبيرا لكل المجتمعات، فمع العولمة وما يصاحبها من تداعيات اقتصادية وثقافية، واجتماعية، وأيديولوجية لم يعد العالم كما عهدناه فيما مضى، فالحدود الثقافية في طريقها إلى التلاشي مما يسمح بانتقال كثير من الأفكار والمعتقدات التي تكاد تقضي على الخصوصية في كثير من المجتمعات وبالتالي لا يبق للمكان والتاريخ أي معنى في ظل السعي إلى عولمة التربية، مما يشكل خطرا على كل من الدول المتقدمة والنامية من خلال التأثير في مقومات المواطنة و الولاء عند أفرادها.

وعلى هذه الخلفية أصبحت تربية المواطنة من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية من المسائل الهامة التي تواجه دول العالم في القرن الحادي والعشرين، قرن انتشار أبعاد العولمة وتغلغلها في مناحي حياة الإنسان، وباتت الجهود التربوية تتجه اليوم نحو تعزيز الانتماء الوطني والإنساني معا، وهذا ما أكـده التقرير الصادر عن المؤتمر الدولي الخامس لتعليم الكبار، والذي عقد في (هامبورغ) بألمانيا عام 1999، حيث جاء فيه: ”تتطلب مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين تدعيم العمليات الديمقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها وتشجيع المواطنة النشطة وتعزيز دور المجتمع المدني، وكفالة المساواة والعدل بين الجنسين..”(2).

وهذا يتطلب إحداث تغييرات جوهرية على المستوى المنهجي والتنظيمي والقيادي في المؤسسات التربوية المختلفة، وفتح أفاقا جديدة لتربية المواطنة في القرن الجديد، حتى تستطيع أن تتكيف مع معطياته من جهة ومجابهة تحدياته من جهة ثانية.

أسئلة الدراسة:

تتناول هذه الورقة البحثية بالمناقشة التساؤلات التاليـة:

1) ما المقصود بتربية المواطنة وما علاقتها بالمفاهيم المرتبطة بها؟

2) إلى أي حد يمكن أن تتوافق تربية المواطنة مع ظاهرة العولمة؟

3) إلى أي حد يمكن الاستفادة من استخدام الأسلوب الديمقراطي في تشكيل مواطنة متزنة ومتوازنة بين المحلية والعالمية؟

4) إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيات المتقدمة في الاتصال والتواصل، المساهمة في تحقيق قيم المواطنة العالمية المنشودة؟

أهمية الدراسة وحدودها:

تتجلى أهمية هذه الدراسة في القضايا التالية:

1) إن التفاعل مع الحاضر والمستقبل على السواء، يتطلب قراءة عيون العصر القادم، قبل أن نخطو إلى ساحته، لتتبين ما نستطيع أن نفعله ويكون متفقا مع متطلبات هذا العصر.

2) حتى لا يفوتنا قطار القرن الحادي والعشرين علينا أن نتحلى بقدر من الوعي، لما ينبغي أن تتصف به تربية المواطنة في القرن الجديد، لمواجهة تحدياته الظاهرة منها والخفية.

3) تحاول هذه الورقة البحثية استقراء وضع تربية المواطنة في مطلع الألفية الثالثة وسبر بعض ما تواجهه من تحديات وكيفية تخطيها أو التكيف معها.

4) بحكم اتساع الموضوع كان اختيار بعض قضاياه مقصودا والإعراض عن الكثير هو المسلك الممكن بحيث جاء التركيز على العولمة وانعكاساتها على تربية المواطنة والبعد الديمقراطي في تربية المواطنة وجدلية المحلية والعالمية ومؤثراتها على تربية المواطنة.

هدف الدراسة وأسلوبها:

يهدف الباحث من خلال هذه الورقة البحثية إلى طرح تصور نظري لما سوف تكون عليه تربية المواطنة في القرن الحادي والعشرين، ومحاولة إيجاد صيغة من التفاعل البناء والمعتدل بين معادلة المواطنة المحلية والمواطنة العالمية في ظل معطيات العصر الجديد وإفرازاتها، والتي ستنعكس بصورة مباشرة على تربية المواطنة، وذلك باستخدام الأسلوب الوصفي التحليلي الذي يود الباحث أن يفي بالغرض.

محاور الدراسة:

لمعالجة تساؤلات الدراسة وتحقيق هدفها، قام الباحث بتقسيم مجال عمله إلى أربعة محاور يتناول في المحور الأول مفهوم تربية المواطنة وبعض المفاهيم المرتبطة بها، ويستعرض في المحور الثاني ظاهرة العولمة وانعكاساتها على تربية الموطنة ويتضمن المحور الثالث البعد الديمقراطي في تربية المواطنة، ويناقش في المحور الرابع إمكانية إسهام التكنولوجيات المتقدمة في تحقيق التوافق بين المواطنة المحلية والعالمية من خلال ترسيخ قيم المواطنة العالمية التي ينشد المجتمع الإنساني تحقيقها.

المحور الأول- تربية المواطنة وأهم المفاهيم المرتبطة بها:

1- مفهوم الوطن: ورد في لسان العرب بأن مفهوم الوطن لغة يشير إلى المنزل الذي يقيم فيه الإنسان فهو وطنه ومحله(3).

أما اصطلاحا فتعرفه أمية حجازي بأنه بشكل عام، قطعة الأرض التي تعمرها الأمة وبشكل خاص، هو المسكن، فالروح وطن لأنها مسكن الادراكات والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن(4).

وهناك من نظر إلى الوطن على أنه ”البلد الذي يقيم فيها الإنسان ويتخذها مستقر له، ولذلك فهو شبيه بالمنزل، الذي هو المكان الصغير الذي يسكن فيه مع أسرته، والوطن هو المنزل الكبير الذي يضم عددا كبيرا من الأفراد والأسر(5).

2- مفهوم الوطنية: تعرفها الموسوعة العربية العالمية بأنها ”تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن“ ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة أو الوطن(6).

3- التربية الوطنية: ولبيان الفرق بين مفهوم المواطنة والوطنية يجب إدراج مفهوم آخر لا يقل أهمية عن المفهومين السابقين وهو مفهوم التربية الوطنية الذي يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الايجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي(7).

معنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقا من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة. فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى الجماعة أو دولة معينة ولكنهه لا يكتسب صفة الوطنية الا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة، وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة(8).

كما تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن المواطنة ولوطنية يختلف عن الحديث عن الانتماء والولاء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمل له، فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، لأن الولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله(9).

وإن الولاء والانتماء قد يمتزجان معا حتى أنه يصعب الفصل بينهما، فيكون في هذه الحالة الولاء هو صدق الانتماء، وكذلك الوطنية فهي الجانب الفعلي أو الحقيقي للمواطن، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسب الولاء الوطني من أسرته أولا ثم من مدرسته ثم من مجتمعه لدرجة يشعر فيها الفرد أنه جزء من كل(10).

4- مفهوم المواطنة: إن مفهوم المواطنة هو من المفاهيم الذي يدور حولها جدلا كبيرا لذا يصعب أن نجد لها تعريفا يرضي كل المختصين في هذا المجال وبالتالي يختلف مفهوم المواطنة تبعا للزاوية التي نتناولها منها، وتبعا لهوية من يتحدث عنه وتبعا لما يراد بها، وإن مفهوم المواطنة بالقياس اللغوي يعني مشاركة، بمعنى تشارك عدد من الأفراد في العيش معا على أرض واحدة محددة، ويشكلون مجتمعا واحدا أو دولة واحدة بالمعنى الحديث، باعتباره أن الدولة تعاقد اجتماعي يتمتع مواطنيها جميعهم بالحقوق والواجبات ذاتها، حيث يلتقي المفهوم الأسمى للمواطن مع المفهوم الأسمى للإنسان، لينتقل بذلك مفهوم المواطن إلى مفهوم أكثر شمولية وهو مفهوم المواطنة، فتصبح المواطنة على هذا الأساس، هي إنسانية الإنسان وبذلك فإن نوع المواطنة في دولة ما، يتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري لتلك الدولة وبالقيم السائدة فيها وبالمتغيرات العالمية الكبرى وبالرجوع إلى الموسوعة العربية العالمية، نجد أنها تعرف المواطنة على أنها ”اصطلاح يشير إلى الانتماء إلى أمة أو وطن“(11).

أما في قاموس علم الاجتماع، فقد تم تعريفها على أنها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي، وقد عرفت دائرة المعارف البريطانية المواطنة بأنها:”علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات في تلك الدولة“(12).

فالمواطنة إذا تشكل البنية الأساسية في النسيج المجتمعي المتكامل بقطع النظر عن الاختلافات بين المواطنين، حيث يتجلى تماسك هذا النسيج الاجتماعي في التقيد بأنظمة المجتمع، وتتضمن المواطنة في المقابل حقوقا اجتماعية وسياسية، وعليه يكون مفهوم تربية المواطنة، هو توعية وتثقيف كل فرد في أية دولة بغض النظر عن جنسيته أو هويته الأصلية بحقوقه وواجباته كمواطن.

وإن تربية المواطنة في القرن الحادي والعشرين ينبغي أن تستهدف بناء المواطن المتكامل والمتوازن في جوانب شخصيته فكريا وروحيا واجتماعيا وإنسانيا والواعي بحقوقه والملتزم بواجباته والمؤمن بحقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة للناس كافة، والقادر على الإنتاج والتنمية والمبادرة المبدعة، والمعتز بانتمائه الوطني والمتحلي بالروح العلمية والموضوعية والسلوك الديمقراطي(13).

وإن التغيير في أنماط السلوك الإنساني يرتبط ارتباطا وثيقا بالتغيير في أنساق القيم التي تعتبر من أهم محددات تشكيله، وهذا التغيير يعد مطلبا أساسيا لبناء الدولة المعاصرة والمرتكزة على قيم الحداثة وأهمها قيم المواطنة وحقوق الإنسان، وهذه القيم تشكل المدخل الرئيسي لإعادة بناء المجتمع وتوجيهه نحو غاياته المنشودة في الحرية والعدالة والمساواة والتنمية.

المحور الثاني- تربية المواطنة والعولمة:

تستمد العولمة أسسها الفكرية والفلسفية من الحداثة، وفحوى رؤيتها هو أن العالم الموضوعي هو الحقيقة الماثلة التي يتعامل معها الإنسان بعقله، أي أن ذاته تتكون من تفاعله مع العالم الموضوعي، ولا شيء سابق عن الخبرة التي يمر بها، والتي تمكنه من السيطرة على الطبيعة وتحسين طرائق عيشه ومستوى حياته كغاية من وجوده.

ويعد مفهوم العولمة من أكثر المفاهيم غموضا، فقد شاع لفظ العولمة في الاستعمال اليومي في الصحافة والإعلام ولم يدخل بصورة واضحة في المصطلحات الأكاديمية، بالإضافة إلى الجوانب التي ينظر من خلالها إلى العولمة، فهناك من ينظر إليها من جوانبها الثقافية بينما ينظر آخرون إليها من جوانبها الاقتصادية في حين ينظر إليها البعض الثالث من جوانبها السياسية، اما في اللغة فنجد كلمة العولمة مشتقة من الفعل عولم على صيغة فوعل، واستخدام هذا الاشتقاق يفيد أن الفعل يحتاج لوجود فاعل، أي أن العولمة تحتاج لمن يعممها على العالم، كما أن العولمة ترجمة لكلمة (Mondialisation) الفرنسية والتي تعني جعل الشيء على مستوى عالمي، وإن الكلمة الفرنسية المذكورة إنما هي ترجمة لكلمة (Globalization) الانجليزية بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله، وكذلك فقد تسمى الكونية أو الكوكبة وتستخدم هنا كلمة (الكونية) اشتقاقا من كلمة (الكون) بمعنى العالم، كما استخدمت كلمة (الكوكبة) إشارة إلى كوكب (الأرض) التي نعيش عليها، إذن من حيث اللغة، العولمة كلمة غريبة عن اللغة العربية وهي تعني عملية التوحيد الكوني والنظر إلى العالم كوحدة واحدة، فهي محاولة لتحقيق ما يشبه الوحدة الكونية(14).

ومن هنا يمكن القول أن العولمة تعني زيادة التفاعلات الدولية وزيادة الاعتماد المتبادل بين الدول حتى تصبح شعوب العالم متصلة بعضها ببعض في كل أوجه حياتها ثقافيا واقتصاديا، وهذا يعني أن العولمة هي مجموعة الظواهر والمتغيرات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية والتكنولوجية والمعلوماتية التي تمتد تفاعلاتها وتأثيراتها لتشمل معظم دول العالم، وتشكل إطارا للتفاعلات الإنسانية المعاصرة(15).

ولقد عرفت العولمة من الناحية الثقافية – التربوية بأنها تلك الظاهرة التي تحركها الثورة التكنولوجية وثورة الاتصال قصد التوحيد بين البلدان والحضارات من خلال التغلب على العامل الجغرافي، بعد أن توفرت القدرة على اختراق الحدود وتحويل العالم إلى غرفة كونية صغيرة(16).

وهذا ما جعل البعض ينظر إلى العولمة على أنها محاولة لوضع شعوب العالم في قوالب فكرية موحدة، بغية سلخها عن ثقافتها وموروثها الحضاري، فهي أشبه ما تكون بنظام يقفز فوق حدود الدولة والأمة والوطن، إنها نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية للأمة من أي محتوى ويدفع بها إلى التفتيت والتشتت ليربط الناس بعالم اللاوطن واللادولة(17).

وتجدر الإشارة ونحن بصدد التعرض لمفهوم العولمة أن نميز بين مفهوم العولمة (Globalisation) وبين مفهوم العالمية (Globalisme) لأن هذه الأخيرة تشير إلى الارتقاء بالخصوصية إلى المستوى العالمي بهدف تبادل الأخذ والعطاء والحوار والتعاون بين الحضارات والثقافات، فالعالمية تعني الاعتراف المتبادل بحيث يكون العالم متفتحا على بعضه مع الاحتفاظ بتنوعه، فهي تعترف بالآخرين وتحترم خصوصياتهم الحضارية، فالعالمية إذن لا تعني الهيمنة الاقتصادية والثقافية على الآخرين والتي هي إحدى معاني العولمة وإنما تعني التنوع والانفتاح، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو ألا يمكن اعتبار العولمة بمثابة محطة عبور إجبارية نحو العالمية؟

إن التسارع المذهل لعملية العولمة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وما كان لذلك من آثار على حركة البشر وقدرتهم على التنقل عبر حدود الدولة الوطنية، فحتى إذا افترضنا جدلا أنه لم يحن الوقت بعد للحكم على تأثير هذه القدرة على التنقل بين الحدود وفق المفاهيم القديمة للدولة الوطنية، فإنه ما من شك أن هذا سيكون له تأثيرا عميقا على مجريات الأحداث في القرن الجديد، وإن الوثيقة الحاسمة لهوية هذا القرن، ليست هي شهادة ميلاد الدولة الوطنية أو القومية وإنما وثيقة الهوية الدولية أي جواز السفر. وهذا يؤدي إلى طرح إشكالية تأثير ذلك على ولاء المواطن للدولة الوطنية وحتى على معنى حقوق وواجبات المواطنة، وتتحول بذلك هوية الدول الوطنية إلى هوية خاصة قوامها: “حيثما وجدت الخبز فذاك موطني”، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد عدد لأجانب المقيمين في اسبانيا قد تضاعف أكثر من ثلاثة مرات ما بين سنتي 1996 و2003، ثلثاهم من خارج دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى ما تتعرض له المدن الكبرى في البلدان الغنية من عولمة مذهلة بمعنى جعلها عالمية من حيث التنوع السكاني.

وإن العلاقة الجدلية بين العولمة والهوية الوطنية أو القومية تظهر جليا في كرة القدم وذلك أنه بفضل ثورة الاتصال والتواصل، تم تحويل هذه الرياضة إلى تجارة دولية، وأن مـن تستهويهم هذه الرياضة تتنازعهم أحاسيس الشعور الوطني القومي التي تمثل العالم القديـم، والقومية العابرة للحدود التي تمثل العالم الجديد، وهذه الصورة البالغة التعقيد تعكس تماما تناقض العالم الذي نعيش فيه(18).

وإلى هنا نصل إلى السؤال الحاسم، هل نتجه نحو عولمة تربية المواطنة؟ أم إلى تربية مواطنة واعية بالعولمة؟ وبعبارة أوضح، هل نستسلم إلى عولمة التربية وما يترتب عليها من أخطار سياسية واقتصادية وثقافية؟ أم أننا مستعدون لمجابهة إفرازات العولمة بتربية مواطنة عالمية واعية بمعطيات وتطلعات القرن الحادي والعشرين؟ وبما أن الاختيار قد يكون صائبا باعتمادنا الطرح الثاني فعلينا إذن الاعتراف بالواقع المعاصر أولا، ثم رفع تحدياته التربوية ثانيا والمتمثلة في كيفية تربية أبناء المجتمع بعولمته الجديدة، فإذا كانت العولمة قد أصبحت فعلية وملموسة ولا يمكن تجاهلها أو الاستسلام لها فإن معطياتها تطرح أمام تربية المواطنة مهمات عديدة وكبيرة، تستطيع من خلالها أن تبرهن على قدرتها على الاستفادة من ايجابيات ظاهرة العولمة في مواجهة العولمة ذاتها، وتجنب سلبياتها وأضرارها على الفرد والمجتمع.

وإن البداية تكون بتوعية المواطن بطبيعة ظاهرة العولمة وأبعادها وأهدافها القريبة منها والبعيدة المدى، وبخاصة أن العولمة ما تزال غير مكتملة، ومن المتوقع أن تستمر إفرازاتها وتفاعلاتها مدة طويلة قبل أن تضبط وتنظم، وحتى إذا ما افترضنا أن النظام العالمي يستهدف الهوية الثقافية والتربوية للفرد والمجتمع والدولة الوطنية، فإن من واجب تربية المواطنة أن تعد المواطن، فكريا وسلوكيا لأداء واجبات المواطنة والمشاركة الفعلية في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتوعيته بحقوقه وواجباته، وأن يمارس الديمقراطية واحترام الآخرين، وفهم الفروق الثقافية والتعددية وكيفية التسامح معها بعقلية متفتحة ومهيأة للتغيير.

المحور الثالث- تربية المواطنة والديمقراطية:

تؤكد الدعوات المتزايدة في السنوات الأخيرة على الصعيد العالمي الأخذ بالديمقراطية في توطيد العلاقات الاجتماعية والإنسانية من خلال تعزيز التربية الديمقراطية فكرا وممارسة وذلك لتحقيق التواصل المتكافئ بين الأفراد والمجتمعات الإنسانية، من خلال تفهم أفضل لحقوق الإنسان الاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يولد وعيا متناميا بالقيم الديمقراطية ويرسخ سلوكيات ممارستها في إطار الإخاء والتسامح والعدالة والمساواة والاحترام المتبادل، ولعل هذا ما دعا إليه كتاب الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان الصادر عام (1990) والذي جاء فيه: ”إن من يعرف حقوقه يصبح أكثر حرصا على حقوق غيره، وهذا ما يبشر بمجتمعات أكثر تسامحا وأميل إلى التعايش السلمي(19).

وتجدر الإشارة إلى إن ما يسمى اليوم بالديمقراطية، ليس اختراعا أثينيا ولا يونانيا وإن كان لتوثيق تجربتهم ولمركزية الثقافة الأوروبية، ثم التطبيق الغربي للديمقراطية في العصور الحديثة، ما جعل هذه التجربة ترتبط حصرا بهم، بيد أن التجربة الديمقراطية سنة بشرية جربها العالم في مناطق عديدة مند أقدم سجلات التصويت والانتخاب البشري في الأمم التي سبقت اليونان بأكثر من ألفي عام، وصولا إلى القبائل التي تدير أمورها بهذه الطريقة على وجه البسيطة في كل قارة وإلى اليوم(20).

وإذا كانت كلمة ديمقراطية في الخطاب السياسي تعني الشكل النموذجي للدولة، أي دولة دستورية تتعهد بضمان سيادة القانون وحماية الحقوق المدنية وغيرها، وتحكمها سلطات تتضمن هيئات تمثيلية منتخبة، فإن هناك من يرى أن الهدف من التربية هو إعداد المواطنين للحياة الديمقراطية، وقد عبر (جون ديوي) عن ذلك في كتابه ”الديمقراطية والتربية” بقوله: ”ليست الديمقراطية مجرد شكل من أشكال الحكم، وإنما هي في أساسها أسلوب للحياة الاجتماعية والخبرة المشتركة المتبادلة“(21).

وتتخذ الديمقراطية أشكالا متعددة، فهي المساواة بين الأفراد وتهيئة فرص متكافئة لهم دون تمييز، وهي تكافل اجتماعي وعدالة اجتماعية، وحرية في الاعتقاد والقول والنشر، فهي بإيجاز علاقات إنسانية تقوم على الأخذ والعطاء وتغليب الذكاء البشري في حل المشكلات، وتقوم الديمقراطية على ثلاثة ركائز أساسية هي: المواطنة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وحرياته، لذلك لا يمكن الحديث عن الديمقراطية من دون تعميق القيم الديمقراطية في سلوك المواطنين، أو من دون الآليات التي يتم من خلالها تأكيد هذه القيم، أو بناء المؤسسات التي تمارس من خلالها هذه الطريقة في الحياة، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه السياق هو ما هي دواعي الأخذ بالنظام الديمقراطي في تربية المواطنة في القرن الجديد؟ وقد نجد من المبررات ما يلي:

1) لقد وهنت رغبة المواطنين في المشاركة في الحقل السياسي، وضعفت فعالية الطريقة التقليدية في ممارسة المواطنة، وسوف نواجه مشكلات القرن الحادي والعشرين بمجموعة من الآليات التربوية غير ملائمة على الإطلاق للتعامل مع هذه المشكلات التي تنحصر داخل حدود الدولة الوطنية أو القومية لمواجهة عالما متعولما يخرج عن نطاق العمل بها(22).

2) إن الديمقراطية أساسية لارتفاع الوعي العام، فغالبا ما لا نجد شخصا مثقفا ولا سياسيا بارعا، ينتجه الاستبداد، لأنه لا يجد فرصة للنمو، فالنمو مرتبط بالنقد، والنقد يحتاج إلى المناخ الديمقراطي.

3) إن المعرفة العلمية رهينة بتحقيق الديمقراطية، فهناك علاقة وطيدة بين التقدم العلمي والنظام الديمقراطي، لأن في البيئة الديمقراطية، يأخذ الذكاء مجاله في الحرية والتفكير والتصرف.

4) الديمقراطية هي المخرج الصحيح من ثقافة العنف والإرهاب بجميع صورها وأشكالها، فلا الحل الأمني والنظم القاصرة تستطيع استئصاله وإنما الانفتاح والنقاش الحر(23).

5) إن النظام الديمقراطي ينهي دوافع الفوضى والتغيير بالقوة، وينهي الحكومة الفاسدة وينهي المعارضة المدمرة لأن المواطنين يثقون بدورهم في حكمها، ودورهم في إسقاطها.

وبالاستناد إلى ما سبق نخلص إلى:

1) الديمقراطية ليست منهجا فكريا نتنافس في نقاشه، أو نبحث في فروعه وأصوله، بل هي في الأساس إدارة يتفق عليها المجتمع لتحقيق علاقاته ومصالحه، ولهذا لم يصل أحد إلى تعريف ثابت ودقيق لها.

2) التربية الديمقراطية هي الأسلوب الطبيعي المناسب لتربية المواطنة قصد تحقيق غايات ومصالح الفرد والمجتمع، وما غيرها سوى انحراف عن الفطرة البشرية ومواجهة لحقوق الإنسان ومصادرة لكرامته وسلب لإرادته وعبث بدينه(24).

3) الديمقراطية هي البحث عما يشعر الإنسان بالعدل والمساواة والكرامة الإنسانية، وهو ما تهدف إليه تربية المواطنة المستقبلية.

وبعبارة موجزة نقول، أن من أهم مكاسب التربية الديمقراطية على المواطنة، أنها تصنع المجتمع الفعال والفرد المؤثر وأن الحاجة إليها هي الحاجة إلى الأمن والاستقرار واستبعاد العنف والفوضى بفضل ما تمنحه من مسؤولية فردية وجماعية، وتأسيسا على ذلك تصبح مهمة تربية المواطنة هي بناء الإنسان الحر الديمقراطي الذي يمتلك القدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية مشاركة فعالة وحيوية، وعلى العكس من ذلك، فمن غير الديمقراطية يتحول المواطنون إلى أفراد عاجزين عن امتلاك مصيرهم، وغير قادرين على التأثير في حاضرهم، في حين تهدف تربية المواطنة في جوهرها إلى تحقيق استقلال المواطن وضمان حريته ومشاركته في الحياة السياسية والمدنية وإدارة الشأن العام، كما أنها تمكنه من القدرة على تحقيق خياراته الموضوعية في كنف الحرية والاستقلالية.

المحور الرابع- تربية المواطنة والقيم العالمية:

إن ما حملته ثورة الاتصال والمعلومات من آثار وما ستحمله في المستقبل أيضا على الحياة السياسية والاجتماعية لدى الشعوب والأمم، كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية البيئة والسلام العالمي وحوار الحضارات وتقدير النوع الآخر، والتفاعل مع الثقافات الأخرى لها انعكاساتها على النظم التربوية، وبصفة خاصة في الدول التي لا تزال إلى الآن تعاني مـن العديد من المشاكل التربوية ذات الطابع السياسي والاجتماعي والبيئي(25).

حيث لم يعد كافيا اليوم، إعداد المواطن لتلبية مطالب بيئته المحلية فحسب، بل أصبح لزاما على تربية المواطنة التخلص من ثنائية المحلية والعالمية، فحتى يمكن تحقيق معايشة الحاضر والتطلع لآمال وطموحات المستقبل، فإنه ينبغي التعامل بما يتوافق مع ظروف العصر، بعد أن أظهرت الدراسات التنبؤية أن التكنولوجيا سوف يتعاظم دورها ويزداد في المستقبل القريب، وفي صناعة هذا المستقبل نفسه(26).

وإن تكنولوجيا المعلومات ووسائلها العديدة تتيح الجمع بين المحلية والعالمية من خلال:

1) نظم الترجمة الآلية، التي ستسقط الحواجز اللغوية.

2) التكنولوجيا المتقدمة في الإعلام والاتصال والتي أحالت العالم إلى قرية الكترونية صغيرة.

3) ارتكاز ثقافة عصر المعلومات على التعدد والتنوع الثقافي(27).

ومما لا شك فيه أن التطور العلمي المتسارع، والتقدم التكنولوجي البالغ التعقيد والتنافس التجاري قد ألقت بضلالها على الصراعات العنيفة التي يشهدها العالم الآن، سواء أكان ذلك على المستوى الإقليمي أم العالمي، فعلينا أن نقرر أن ثقافة العنف باتت الآن واضحة المعالم ولها هويتها وفلسفتها لدرجة أن العنف لم يعد له وجه واحد أو قناع واحد، بل أصبح له ألف وجه وألف قناع، وإن العنف كظاهرة يتكاثر سرطانيا لدرجة أن أساليبه وفنونه التي يمارسها باتت محيرة ومفزعة ومقلقة للمواطن والحكومات على السواء، ولا نغالي إذا قلنا أن الإرهاب أصبح كالإخطبوط الأسطوري، إذا قطعنا له ذراعا نبتت مكانها أو حلت محلها ذراع أقوى وأشد من تلك التي بترت(28).

وإن الدعوة إلى السلام، هو إحدى تحديات القرن الحادي والعشرين، وتأتي بيداغوجيا السلام بهدف تنمية وجدانية الفرد المواطن لتكوين سلام داخلي مع نفسه، ولتتكون لديه القدرة على التصالح مع أخيه الإنسان عن طريق تكوين علاقات طبيعية بين الشعوب خالية من الصراعات والعنف والعدوانية، وإذا ما افترضنا أن المواطنة باتت الآن على المستويين المحلي والعالمي، فذلك يعني أننا نعيش في مجتمع دولي تتعاون فيه الأمم فيما بينها من أجل رفاهية وسلامة الإنسان، دون أن تتخلى أية أمة من الأمم على سيادتها واستقلالها وحرية إصدار قراراتها.

ويتمثل دور تربية المواطنة في تكوين المجتمع الدولي في تسليح المواطن بالطرق والأساليب التي من خلالها يستطيع العيش مع جيرانه المحليين ويقدر على التآلف مع جيرانه الخارجيين في المجتمع الدولي، فمما لا شك فيه أن التربية على المواطنة العالمية تتطلب التربية على الديمقراطية والتعددية والالتزام الجماعي، وقبول الاختلافات الثقافية ومعالجة المشكلات ضمن منظور عالمي، وهي بهذا المعنى تهدف إلى خدمة المجتمعات الإنسانية كافة(29).

لذلك فإن القيم الموجهة نحو احترام الآخر والتسامح معه هي القيم التي من شأنها أن تساعدنا على الانتقال من ثقافة الحروب إلى ثقافة السلام المرتكز على حقائق التعددية وآلية الحوار بين الثقافات كخطوة أولى نحو عقد اجتماعي وثقافي وأخلاقي في جديد القرن الحادي والعشرين. كما تبلورت في مطلع الألفية الثالثة قيمة الحوار من خلال المتغيرات التي حصلت على صعيد الاتصال والتواصل، والقضاء التدريجي على الحدود والحواجز، وتنقل المعلومات والمعارف والقيم، حيث ظهرت آليات واستراتيجيات جديدة تسمح بانفتاح الثقافات والحضارات على بعضها بعد أن أصبح قبول الآخر والحوار معه مطلبا مجتمعيا وعالميا ومدخلا مهما لمستلزمات المثاقفة العالمية، وهكذا لم يعد الحديث اليوم عن ثقافة الحوار وعن الحوار بين الأديان والتقارب بين الثقافات ترفا فكريا، بل هو رهان جديد للألفية الثالثة وحاجة ماسة إلى بناء مجتمع حداثتي ديمقراطي متمثل لروح ثقافة الحوار متشبع بها ومتصرف على أساسها بكيفية واعية وتلقائية.

ولقد شغلت أيضا قيمة التسامح مع الآخر مساحة واسعة في الفكر الإنساني منذ أقدم العصور أما في العصر الحديث، فقد مارست اليونسكو دورا بارزا في هذا المجال عندما أكدت في تصريح المبادئ حول التسامح الصادر عام (1995) في مادته الأولى المخصصة لتحديد المفهوم ”أن التسامح هو شرط ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي وإشاعة روح التضامن بين الشعوب وبينت أن المقصود بقيمة التسامح احترام وقبول تثمين غنى الثقافات وتنوعها في عالمنا، وأنماط التبليغ وأساليب التعبير عن نوعية كينونتنا الإنسانية، أما عن آلية تعزيز هذه القيمة فأشارت اليونسكو إلى أهمية المعرفة وتفتح العقل والنزوع إلى التواصل، والاعتراف للآخر بحق التفكير والشعور والاعتقاد(30).

فيتحول التسامح بذلك من قيمة من القيم الإنسانية إلى موقف فعال يحركه الإقرار بالحقوق العالمية للفرد الإنساني وبالحريات الأساسية.لأجل ذلك كله يعتبر التسامح مفتاح الدخول إلى حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية ودولة الحق والقانون، ومن هنا يمكن اعتبار الاتجاه نحو العالمية اتجاه طبيعي لا معنى لمقاومته، بل يجب تشجيعه وتدعيمه، فكيفما عرفنا الحضارة فإنه يجب أن نقر بأن الصفة الإنسانية بمعنى امتلاك الاتجاه العام لخدمة الإنسان وتطوير إمكاناته الذاتية، هي أهم مقوماتها ولا يمكن أن يتسم أي سلوك بالسمة الحضارية، إلا إذا اتسم بالصفة الإنسانية، وأن الصفة الإنسانية تتطلب الإيمان بمجموعة من القيم المطلقة والمشتركة.

وبناء عليه تبرز الحاجة إلى تربية المواطن على الحياة في مجتمع يقوم على القيم الإنسانية العالمية مثل السلام والحوار والتسامح ويرفض التعصب العرقي والديني والعقائدي، ففي ضوء متغيرات العصر المسارعة تبرز الحاجة إلى تطوير التربية للمواطنة بما يجعلها تؤكد على عدم وجود تعارض بين الوطنية والقومية والإنسانية حتى تكسب المواطن مقومات الانتماء للوطن واستكمال ذلك بالانتماء العالمي والإيمان بقيم المواطنة العالمية في بعدها الإنساني الذي يقوم عليه المجتمع الدولي، وبالمحصلة، فقد أصبحت تربية المواطنة في الألفية الثالثة ملزمة بإعداد الإنسان الدولي الذي يتميز بالخصائص التالية:

1) أن يكون قادرا على الاندماج مع الآخرين، يستمع إليهم ويتعلم منهم ومعهم.

2) أن تكون له علاقات شخصية مع أشخاص من دول أخرى.

3) أن يكون له زملاء وأصدقاء دوليين في مجال تخصصه أو عمله.

4) أن يستطيع مناقشة الثقافات الأخرى بموضوعية ودون تحيز.

5) أن تكون له القدرة على التكيف الايجابي مع المواقف الجديدة، والقدرة على التصرف بفعالية مع الحالات الطارئة، ويندمج ويتعاطف مع أفكار ومشاعر الآخرين.

الاستنتاجات

تأسيسًا على كل ما سبق من استعراض نظري لمفهوم المواطنة وما ارتبط بها من مفاهيم نخلص إلى ما يلي:

1) إن الموطنة لا تعرف كجوهر بقدر ما تمارس على أرض الواقع. وإن تحقيق المواطنة على أرض الواقع وبشكل فعال مرهون ومرتبط بعملية تربية المواطنة التي من خلالها يتم إيصال المعرفة وخلق الشعور الذي يؤدي إلى الانتماء الوطني.

2) بالرغم من أن المواطنة لا تعتمد على مبادئ عامة، وعلى الرغم من أنها لا تحمل معنى واحدا ثابتا متفق عليه، إلا أنها تحتوي على مبدأ أساسي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التربية للمواطنة، فتربية المواطنة ضرورية لتحقيق مفهوم ومعنى المواطنة الفعلية وبدونها يبقى الشخص مجرد مواطن تابع ليس أكثر(31).

3) تبرز الحاجة إلى تربية المواطنة بصورة أكثر إلحاحا في ضوء متغيرات العصر المتسارعة، كوقاية ضد القوة الطاردة للعولمة.

4) إن مفهوم المواطنة هو المبدأ الأساسي والرئيسي للديمقراطية، فلا وجود ولا معنى لأي نظام ديمقراطي بدون تحقيق لمفهوم المواطنة.

5) يمكن للتكنولوجيات المتقدمة والمعلوماتية ووسائل الاتصال والتواصل أن تلعب دورا حاسما في التخفيف من حدة الإفرازات السلبية للعولمة، وذلك بما توفره من إمكانيات لإقامة علاقات قوية بين أمم وشعوب العالم ودولها بتطوير فلسفة عالمية للحياة، تؤكد على القيم الإنسانية الدولية ومتطلبات القرن الجديد.

6) إن الاهتمام بالسلام وإرساء دعائمه وتعميمه هي من بين المهمات الأساسية والجوهرية لتربية المواطنة في الألفية الثالثة، كما يعد الحوار منطلقا أساسيا وعقليا في عملية المواطنة لأن السير الطبيعي للبشرية يقتضي أن يسود منطق الحوار بين الحضارات، وإن بناء قدرة المواطن على الحوار، تشكل في نهاية المطاف الأساس الحقيقي لما نطلق عليه مصطلح التسامح، وما التسامح إلا قيمة من القيم العالمية المشتركة التي توصلنا إلى الغاية المنشودة وهي بناء وتشكيل وإعداد المواطن العالمي.

خاتمة :

إن موضوع المواطنة هو جزء من مشكلة الهوية والمفاهيم المختلفة التي ارتبطت بها وما من شك أننا في أمس الحاجة إلى تربية للمواطنة في ظل الأحداث الراهنة والمتوقعة الحدوث التي أكدت كلها على ضرورة تعزيز روح العطاء والانتماء والولاء الصادق لدى المواطن.

ولن يتأتى ذلك، إلا إذا اتخذت تربية المواطنة من الإنسان المواطن محورا، ومن المبادئ والقيم الديمقراطية أسلوبا، ومن القيم العالمية هدفا تسعى إلى تحقيقه.

فهناك تحديات ورهانات جديدة تواجه تربية المواطنة وتطرح عليها متطلبات لم تعهدها من قبل بحيث لم تعد مهامها تقتصر على تنشئة الأجيال وفق مستلزمات مواطنة محدودة في إطار وطني ضيق، بل أصبحت المواطنة الايجابية تقتضي التفتح على المواطنة العالمية باعتبارها ثقافة جديدة تهدف إلى ترسيخ تربية عالمية قائمة على قبول الاختلاف والحوار والتعايش السلمي.

ولن يتحقق ذلك من دون توعية المواطن بأن الكرة الأرضية أرض مشتركة لجميع البشر مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم وأديانهم، وأننا نعيش في عالم تحكمه مجموعة من المثل والقيم والمبادئ والأهداف العالمية المشتركة.

قائمة المراجع:

1) ماجد بن ناصر المحروقي، دور المناهج الدراسية في تحقيق أهداف تربية المواطنة، دائرة الإشراف التربوي للمناهج، مسقط: http ://www.imamu . educ.sa .2008

2) عيسى الشماس ومحمود علي محمد، التربية العامة وفلسفة التربية، منشورات جامعة دمشق: 2008، ص 311.

3) إبن منظور، لسان العرب دار صادر للطباعة والنشر بيروت: 2000 ص 239.

4) آمنة حجازي، الوطنية المصرية في العصر الحديث، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة: 2000 ص 80.

5) سليمان عبد الرحمان الحقيل، الوطنية ومتطلباتها في ضوء تعاليم الإسلام مطابع الشريف، الرياض: 1990 ص 19.

6) الموسوعة العربية العالمية، موسوعة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض: 1996 ص 110.

7) علي سعيد إسماعيل، التعليم على أبواب القرن الحادي والعشرين عالم الكتب القاهرة: 1998 ص 43.

8) فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة: 2009.http://www.almarefh.org

9) عبد التواب عبد الغني عبد التواب، دور كليات التربية في تأصيل الولاء الوطني، مجلة دراسات تربوية القاهرة: 1993. ص 108.

10) سليمان سعد السليمان، اتجاهات بعض المربين نحو الدراسات الاجتماعية في مدينة الرياض، رسالة الخليج العربي العدد (38)، الرياض: 1991، ص 196.

11) الموسوعة العربية العالمية، مرجع سبق ذكره ص 311.

12) علي خليفة الكواري، مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية، مجلة المستقبل العربي العدد (264) بيروت: 2001. ص 104-125.

http ://www . dr- saoud-a.com (13) فايز، البلوي. تربية قيم المواطنة لدى طلاب التعليم العام: 2012

14) دلال أعواج، العولمة: مفهوم، نشأة، أهداف 2010، http ://www . Ahewar. org

15) المرجع نفسه.

16) عبد القادر السيد الشريف، التنشئة الاجتماعية للطفل العربي في ظل العولمة، دار الفكر العربي، القاهرة: 2002 ص36.

17) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية، الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت : 1998 ص19.

18) إريك هوبز باوم، العولمة والديمقراطية والإرهاب، ترجمة أكرم حمدان ونزهت طيب، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة: 2009 ص 76.

19) اليونسكو، حقوق الإنسان، أسئلة وأجوبة، نيويورك: 1990 ص 30.

20) محمد الأحمدي الديمقراطية، الجذور وإشكالية التطبيق، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت: 2012 ص11 .

21) عيسى الشماس ومحمود علي محمد، مرجع سبق ذكره ص 280.

22)- إيريك هوبز باوم، مرجع سبق ذكره ص98.

23) محمد الأحمدي، مرجع سبق ذكره ص 191.

24) المرجع نفسه ص 55.

25) جبرائيل بشارة، المعلم في مدرسة المستقبل بحث مقدم إلى المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف في الوطن العربي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دمشق: 2000 ص 11.

26) عيسى الشماس ومحمود علي محمد، مرجع سبق ذكره ص 211.

27) نبيل علي، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتأثيراتها على عمليات التعليم والتعلم، بحث مقدم إلى المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف في الوطن العربي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دمشق: 2000 ص 35.

28) يونس ناصر، تصميم المناهج وبناؤها، منشورات جامعة دمشق: 2008 ص179

29) صابر جيدوري، التربية على قيم المواطنة العالمية.2012.http://www.civicegypt.org

30) المرجع نفسه.

31) ليث زيـدان، مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي 2007http://www.ahewar.com.

من مركزجيل البحث العلمي

شاهد أيضاً

ماتال تحقق أكبر سرعة 4G في تجارب الزبناء

مثلما أعلنت عن ذلك خلال الاحتفالات بالذكرى الستين لعيد استقلال موريتانيا، نظمت شركة ماتال اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *