الرئيسية / ثقافة / سليمان ولد الشيخ سيديا… حاتم موريتانيا ومحامي الاستقلال والتعددية السياسية

سليمان ولد الشيخ سيديا… حاتم موريتانيا ومحامي الاستقلال والتعددية السياسية

ذاكرة وطن – يمثل سليمان ولد الشيخ سيديا آخر العنقود في أبناء والده الشيخ باب ولد الشيخ سيديا، لكنه في سماء الشهرة يعتبر من أهم الشخصيات السياسية والمجتمعية في موريتانيا، خصوصا ان اسمه قد ارتبط عند الموريتانيين بخصال حميدة متعددة، من أبرزها الكرم والسعي لتوطيد أركان وجدة وطنية شاملة وتعددية سياسية.

ولد الشيخ سليمان ولد الشيخ سيديا في 14 يونيو 1924 في بوتلميت الحالية، وقد عاش في بيئة سيادة وقيادة، حيث وجد في الدائرة العلمية التي يمثلها أخوته وتلاميذ والده محضنا علميا نهل منه إلى أبعد الحدود، وكان من أبرز شيوخه في المرحلة المحظرية العالم المقرئ محمد محمود ولد اكرامه ونجله محمد سالم، والعلامة المقرئ عبد الودود ولد حميه، والقاضي سيدي محمد بن داداه، ونجله العلامة عبد الله بن داداه، وعلماء آخرون متعددون، كما وجد في مكتبة والده فضاء واسعا للمطالعة والنهل من معارف شتى خصوصا أن تلك المكتبة امتازت بالوفرة والانفتاح على مختلف دوائر المعرفة الإسلامية والإنسانية المتاحة لصاحبها يومها.

التحق سليمان ولد الشيخ سيديا بالمدرسة النظامية سنة 1942، ليكون أول أنجال والده دخولا للمدرسة، وقد كان الفرنسيون حريصين جدا على دخول سليمان ولد الشيخ سيديا إلى المدرسة، وذلك خشية التحاقه بأخيه هارون في هجرته المشرقية التي طاف بها عددا من بلدان الشرق العربي.

وفي سنة 1945 تخرج من المدرسة الفرنسية، بشهادتي ختم الدروس الابتدائية وشهادة الازدواجية FRANCO-ARAB، وقد كان من المقرر أن يتم إرسال الشاب سليمان إلى المدرسة الجزائرية، ليدرس الحقوق والقانون، حيث كان يتخرج من تلك المدرسة كبار القضاة والحقوقيين، قبل أن تحول ظروف الحرب العالمية الثانية دون ذلك.

في ثانوية فان فولانوفن:

ابعثت سليمان ولد الشيخ سيديا رفقة ابني أخيه وأخته إسماعيل ولد إبراهيم ولد الشيخ سيديا ومحمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود (أول وزير دفاع لموريتانيا) إلى ثانوية فان فولانوفن ليكون الثلاثي أول من ينتسب إلى الثانوية المذكورة، ومن غير حاملي الجنسية الفرنسية أيضا.

وفي سنة 1948 تخرج من الثانوية وتم توظيفه مستشارا بالديوان السياسي لحكومة غرب إفريقيا، رغم أنه حاول التملص بقوة من الوظيفة، لكن ضغوطات الحاكم الفرنسي كانت قوية.

البرلماني الشاب:

انتخب سليمان ولد الشيخ سيديا سنة 1953 برلمانيا في مجلس الاتحاد الفرنسي، ويمثل هذا المجلس الغرفة الثالثة في البرلمان الفرنسي في ظل دستور الجمهورية الرابعة، كما انتخب أيضا عضوا في الجمعية الإقليمية لموريتانيا رفقة الزعيم التقليدي لقبيلة أولاد دامان السيد بونه مختار

كما انتخب البرلماني الشاب أيضا نائبا لرئيس المجلس الكبير لغرب إفريقيا وكان برئاسة السياسي المرموق هوفووت ابوانيي الذي سيتولى بعد ذلك رئاسة ساحل العاج.

لقد مثلت التجربة البرلمانية بالنسبة لسليمان ولد الشيخ سيديا المفتاح الأساسي نحو الممارسة السياسية الراقية، وكان يردد أكثر من مرة أن الديمقراطية البرلمانية هي أفضل نظام للحكم، متناغما في ذلك مع العبارة المنسوبة لرئيس الوزراء البريطاني تشرشل في نفس الموضوع.

آمن ولد الشيخ سيديا بالديمقراطية وسعى إلى ترسيخ التعددية السياسية رغم العقبات الكثيرة التي واجهته، وكان يردد إن سر نجاح الغرب هو أنه استطاع حل معضلة الوصول إلى السلطة والخروج منها، وهو ما مكن الناس من التفرغ للصناعة والعلم والتنمية.

محامي الاستقلال:

تولى سليمان ولد الشيخ سيديا مهمة الدفاع عن أحقية موريتانيا في الاستقلال وتفنيد المزاعم المغربية بتبعية موريتانيا للعرش العلوي، وبكارزميته وخطاباته المشهورة، زيادة على الدعم الفرنسي الكبير لموريتانيا يومها استطاع ولد الشيخ سيديا كسب معركة الاستقلال سنة 1961

رئيس البرلمان ودفاع التعددية:

تولى سليمان ولد الشيخ سيديا منصب رئيس الجمعية الوطنية بعد اعتذار صديقه الحميم الأمير حمود ولد أحمدو ولد امحيميد عن المواصلة في المنصب احتجاجا منه على ضعف إشراك المنطقة الشرقية في التشكلة السياسية للنظام الجديد.

وقد ظل سليمان ولد الشيخ سيديا يشيد في أكثر من مجلس ومناسبة بالدور الكبير الذي أداه حمود في تأسيس موريتانيا بشكلها الحالي، مؤكدا أن أمير مشظوف قرر التخلي عن حقوقه السياسية مقابل وحدة دولة موريتانيا، حيث كانت المعاهدة المبرمة بين آمراء أهل لمحيميد والمستعمر الفرنسي تضمن لهم العودة التلقائية إلى وضعيتهم السياسية قبل الحماية والحصول على استقلال الإمارة فور خروج الفرنسيين.

في مواجهة الأحادية:

اصطدم سليمان ولد الشيخ سيديا بسرعة مع الرئيس السابق المختار ولد داداه، وكان الأمر بالفعل خلال رؤيتين متناقضتين في الممارسة السياسية، فقد كان سليمان حريصا على قوة البرلمان وعلى إقامة تعددية سياسية، فيما كان الرئيس المختار ولد داداه مؤمنا بضرورة إقامة نظام رئاسي قوي.

أسقط البرلمان الموريتاني تحت رئاسة سليمان ولد الشيخ سيديا المقترح الحكومي الذي قدمه ولد داداه سنة 1962، كما رفض أي مساس بالاستقلالية المالية للجمعية الوطنية، وهو ما دفع بالرئيس المختار ولد داداه إلى التخلص سريعا من ثنائية السلطة، واتخاذ قرار سريع بمركزة كل القوى في يديه، مستغلا تعدد مشاريع المدافعين عن التعددية السياسية حيث لم يكونوا في وضعية تسمح لهم بتوحيد جهودهم للدفاع عن مشتركهم السياسي

وقد كان مؤتمر كيهيدي سنة 1963 فرصة للتحول إلى النظام الرئاسي، بإرغام المرشحين لعضوية البرلمان على توقيع استقالة غير مزمنة، لتكون سلاحا بيد السلطة التنفيذية.

لقد سجل أحد الأدباء الشعبيين تلك الحادثة في كاف شهير:

يدبيتات اشبه لكم == تدخل للمختار فليد

هو إن يشأَ يذهبكم == ويات بخلق جديد

وبالفعل جاء خلق جديد، وتمكن نظام الرئيس المختار ولد داداه من إقامة نظام رئاسي، رأى أنه الأنسب لوضعية التأسيس خصوصا في ظل تعدد الأزمات الداخلية وتشعبت القوى والقيادات المجتمعية.

زعامة اجتماعية:

غادر الشيخ سليمان ولد الشيخ سيديا المشهد السياسي منذ العام 1963 وتفرغ للزعامة الاجتماعية في محيطه ومجتمعه، وقد تحول مع الزمن إلى قطب جاذب لعدد كبير من الموريتانيين الذين تحلقوا حوله.

اهتم سليمان ولد الشيخ سيديا بشكل خاص بأزمة الحراطين، حيث دعا إلى التخلي عن الرق وإنصاف الأرقاء السابقين وتمكينهم من الولوج إلى الحياة، تعليما وريادة مجتمعية.

كما أدى الشيخ سليمان ولد الشيخ دورا مكينا خلال الأحداث المؤلمة سنة 1989 حيث استطاع منع ترحيل عدد من قرى الزنوج الموريتانية في الضفة، كما أسهم في حماية الكثير من الزنوج الموريتانيين والسنغاليين من أعمال العنف العرقي التي واجهتهم في تلك الظروف المؤلمة.

واصل ولد الشيخ سيديا حياته وزعامته السياسية والمجتمعية التي جعلت أمن أكثر الممدوحين في موريتانيا، إلى حين وفاته أثر حادث سير سنة 1999، حيث توفي في دكار حين كان يتلقى العلاج، وثم نقل جثمانه إلى بوتلميت حيث ووري الثرى في مقبرة البعلاتية إلى جنب والده وعدد من أخوته ورفاقه.

حاتم موريتانيا:

لا يزال سليمان ولد الشيخ سيديا مضرب المثل بالنسبة للموريتانيين في الكرم، ويتداول الناس قصصا متعددة عن كرمه الفطري، حيث كان يشتري آلاف المواشي ويمنحها مجانا للسكان مساعدة لهم على حياتهم القروية، وخصوصا في سنوات الجفاف التي امتدت لثلاثة عقود، إضافة إلى أعمال خيرية متعددة، جعلته قبلة للراغبين ومنهلا للواردين

في ذاكرة الأدب:

خلد الأدب الموريتاني بشقيه الفصيح والحساني كثيرا من مآثر الشيخ سليمان ولد الشيخ سيديا، فحسنت فيه المدائح والمراثي،

ومن خالدات الأدب التي مدح بها قول الشاعر والأديب المختار ولد دادا

سليمان انهار أص كم*جابر عند المفوض خم

- شخالك ماني عارف كم*اثنعشر طون اسمعتنو

- واسمعت اثلاثين اتكدم* بيه ماش بيه عنو

- عرظت لو كهله عند الفم*كالتلو يسهمه منو

- كام اطاهله فر اسهم*ش ما كانت كاع اتظنو

- يغير إدوّرها تفهم*عن معطاه أكبيرة سنو

- ءعت آن متمني عجلان*نجبر جيد يحلف دنو

- يسهمني سهمت سليمان *للكهله ولا أظن

ومن مراثيه الخالدة قصيدة الشيخ محمد سالم ولد عدود

نبأٌ أتاني مخرس للسان==ماذا عسى أن نتطق الشفتان

أأعيد ما قد قيل قبلي سارقا==ماذاك من دأْبي ولا من شان

أجترُّ ما قد قلتهُ متواضعا==في أهل هذا البيت منذُّ زمان

أأقول كان وكان لا أُحصي الذي==قد كان من كانٍ هناك وكانِ

أأقول ساد وشاد لا أحصي الذي==ذادت قيادته عن الأوطان

أأقول جاد وعاد لا أحصي الذي==جادت يداه به لِعافٍ عان

أأقول قام وقال لا أحصي الذي==من موقف أربى به ببيان

ماذا أقول وقد تناهت شِرَّتي==وتناولت ذهني يد الحِدْثان

يا أهل هذا البيت لا قر العِدى==عينا ولابرد الجَنان لشاني

هذي مآثركم بمجد جدودكم==وبطيب عنصركم شهود عيان

هذا سليمان الكريم مشيعا==بالبر والمعروف والإحسان

يُبْقي لنا الذكر الجميل وأسرةً==أربت على الأبناء والإخوان

قدبيضت مِنَّا الوجوه وقلدت==تاريخنا بقلائدِ العِقْيان

يارب أكرم نزله وأحلَّه==في الخلد بين الحور والولدان

يعقوب ما بي حاجة لأقولها==مدوا إلى الأفواه كل بنان

يمناك عبد الله مدا لِلَثْمِنا==يمناك يعقوب يا ذا الثاني

مالي إلى تجديد عهد حاجة==يهفو الفؤاد وتدمع العينان

والله يحفظكم ويبقي نصركم==متواترا بتعاقب الأزمان

المصدر: ريم آفريك

 

 

شاهد أيضاً

سدوم ولد انجرتو

عن ويكيبيديا :سدوم ولد الطالب ولد أعمر ولد انجرتو ولد حسون نسبة لقبيلة لحساسنة و أمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *