الرئيسية / مجتمع / الفتوى: رقم 258/ 2017م: حكم قيادة السيارة بسرعة مفرطة ومسؤولية السائق في الحوادث

الفتوى: رقم 258/ 2017م: حكم قيادة السيارة بسرعة مفرطة ومسؤولية السائق في الحوادث

الفتوى: رقم 258/ 2017م: حكم قيادة السيارة بسرعة مفرطة ومسؤولية السائق في الحوادث
عن موقع المجلس الأعلى للفتوى والمظالم  –السؤال: سؤال يتعلق بحكم قيادة السيارة بسرعة مفرطة، وعن مسؤولية السائق في الحوادث التي تقع بسببها، وما يترتب على ذلك من خسائر مادية ومن إصابات ووفيات.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛
وبعد فإن نظام المرور حاجة أو ضرورة تقتضيها الحياة المعاصرة بالمحافظة عليه تنساب الحركة وتقل المفسدة وتنتظم شؤون الحياة، وبالإخلال به تختل وتكثر المفاسد كما هو مشاهد بدون مراء.
من هنا فإن تقنين نظم المرور قد يندرج ضمن رعاية مصالح الأمة، وتدبير شؤونها، بجلب المنافع لها ودفع المفاسد عنها.
فالطريق من المرافق العامة المشتركة بين الناس جميعاً، فلكل واحد الحق في المرور به، وله سائر الانتفاعات، ولكن بشرط ألا يحدث فيه ضرراً للناس وهو قادر على التحرز منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”. 
وقوله: “إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ”، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: “فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا”، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: “غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ” . محل الاستشهاد هنا: كف الأذى الذي من ضمنه مراعاة النظام في المرور.
والتقيد بأنظمة المرور مما يدخل في وجوب الطاعة، لأنها وضعت لمصلحة الفرد والمجتمع، وحفاظاً على أرواح الناس وأموالهم، فهو لازم التنفيذ من الرعية، كما يندرج ضمن القاعدة المعروفة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومذهب مالك ومن وافقه: وجوب مراعاة سد الذرائع، فالذريعة إلى الحرام حرام؛ قال في مراقي السعود:
سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم.
وعدم التقيد بهذا النظام في القيادة يؤدي غالبا إلى الكثير من الوفيات في زماننا كما هو مشاهد، ومن الواجب المتفق عليه في الديانات السماوية كلها: حفظ النفس بجلب المصالح لها ودرء المفاسد عنها، وأعظم تلك المفاسد القتل؛ قال تعالى: [وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [ ، وقال تعالى: [وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ .وإن رأى بعض أهل العلم نزولها في سبب خاص لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقال تعالي:] ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [. 
وفي الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا “.
وعنه أنه صلي الله عليه وسلم قال: “إِنَّ مِنْ وَرطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّه، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَتَلَ عَامِدًا بِغَيْرِ حَقٍّ: تَزَوَّدْ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِد فَإِنَّك لَا تَدْخُلُ الْجَنَّة أبدا” .
وبالإضافة إلى ما يشاهد اليوم من إزهاق للأنفس بمخالفة أنظمة المرور هناك فساد مالي في الأرض، وفي محكم التنزيل: [ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها] . وفيه: [ولا تعثوا في الأرض مفسدين] ، وفيه: [والله لا يحب الفساد ] ، فالسائق المخالف لما وضع من أنظمة المرور مصادم لما أمر الشرع به من إصلاح واقع في حِمَى المنهي عنه من فساد.
ومن هنا فإن قيادة السيارات بسرعة مفرطة لا تجوز، والمرجع في تحديد السرعة المفرطة هو القواعد والقوانين المنظمة لقيادة السيارات، فيجب الالتزام بهذه القواعد لما قد يترتب على مخالفتها من قتل للأنفس وفساد في المال، ولوجوب الطاعة فيما لا معصية فيه وخصوصا إذا روعي فيه جلب المصالح ودرء المفاسد عن العباد.
وفيما يتعلق بالضمان في الحوادث فإن المتتبع لنصوص الفقهاء المتقدمين الذين واكبوا المراكب المستعملة في زمنهم دواب أو سفنا بحرية تجري بالريح يجد أنهم يرون أن المسؤولية في حوادث تلك المراكب على من بيده القدرة على الضبط والإمساك، وأن الضمان إنما يكون على السائق أو المسير إذا كان له تسبب في الحادث ولو بالقدرة على التفادي فلم يفعل، وأما ما لا دخل له فيه بأن كان بسماوي لم تكن له قدرة على دفعه، كما في السفن المغلوبة بالريح ولم يقدر النوتي على صرفها، أو بفعل ذاتي للمركب كما في الدابة إذا أجفلتها الطريق ولم يقدر مسيرها على الضبط والإمساك فلا ضمان عليه فيه .
قال أبو الحسن: مسألة السفينة والفرس على ثلاثة أوجه، إن علم أن ذلك من الريح في السفينة وفي الفرس من غير راكبه، فهذا لا ضمان عليه، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة، ومن سبب الراكب في الفرس فلا إشكال أنهم ضامنون، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من الريح، وفي الفرس على أنه من سبب راكبه. 
وقال البراذعي في اختصار المدونة: وأما اصطدام السفينتين فلا شيء عليهما إذا كان أمراً غالباً من الريح لا يقدر على دفعه، ولو عُلِم أن النوتيّ يقدر أن يصرفها فلم يفعل لضمن … وإذا غرقت السفينة من مد النواتية، فإن صنعوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا، فإن تعدوا فاخرقوا في مد أو علاج، ضمنوا ما هلك من الناس فيها والحمولة. 
ونقل المواق عن ابن القاسم: ولو قدروا على حبسها إلا أن فيها هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا، فليضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل، وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها، فهم ضامنون لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم .
وبعض نقول أهل المذهب في هذا المقام مصرح بأن العاقلة لا تتحمل الديات في تلف النفوس بفعل غير سائغ على المذهب .
هذا ومن الواضح أن مراكبنا الحديثة اليوم تختلف عن سابقتها بإمكان تحكم السائق فيها دون أن يكون لطرف آخر فيها تسيير كما في سفن البحر قديما، ودون أن تكون لها حركة بنفسها كما في الدابة، هذا بالإضافة إلى وضع النظم المحددة لنوع السائق، وحدود السير، وإشارات المرور وغير ذلك.
ومن هنا فإن مما لا شك فيه أن السرعة المفرطة والحمولة الزائدة، والسير الذي يعد مجازفة بسبب الظلمة أو الريح أو المطر أو السيل أو مع خلل في السيارة أو نحو ذلك من قبيل الفعل غير السائغ المنصوص على انه موجب للضمان، فصاحبها متسبب فيما قد ينجر عنها من أضرار، وبناء على معطيات التحقيق العادل في الحادث تقع عليه المسؤولية عن هذه الأضرار مادية كانت أو بشرية، فالمادي منها يتحمله السائق في ماله لا فرق في ذلك بين عمد أو خطأ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء، والبشريّ في عمده القصاص والمؤاخذة الأخروية المتمثلة في قوله تعالي : [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا] وفي خطئه الدية لازمة لقوله تعالي : [ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا] ، مع ملاحظة ما تقدم من عدم تحمل العاقلة الديات في تلف النفوس بفعل غير سائغ في المراكب علي المذهب.
وإن نجمت أضرار سببها التصادم بين السائقين فإن تحقق منهما العمد فالقود إلا لفوات المحل، ودية الهالك مع أحد المتصادمين من نفس أو مال في مال الآخر دون العاقلة إذ لا تحمل عمدا.
وإن كان التصادم منهما خطأ وجبت الدية لكل منهما ولمن مات معه على عاقلة الآخر، وتجب قيمة ما تلف من سيارة كل منهما أو متاع في مال الآخر، ويمكن أن يقال إن الدية كذلك باعتباره بهذه السرعة لا يخلو من نوع عمد لما قد ينجم عنها، لأنه فعل غير سائغ وإن كان أحدهما عامدا والآخر مخطئا فلكل حكمه.
فإن تمحض أن الاصطدام بفعل أحدهما ولم يكن للآخر فيه تسبب كأن يكون أحدهما يسير أمام الآخر فأدركه الثاني فصدمه فالضمان على اللاحق؛ لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف، وإن مات الصادم أو تلف له مال فهدر؛ لأنه هو الذي أتلف نفسه وماله، اللهم إلا أن يتسبب المتقدم كأن ينحرف فيقع الصدام بانحرافه فيضمنان؛ لأن التلف حصل من فعلهما.
هذا ولا أثر لعجز السائق اليوم عن السيطرة في نفي الضمان لأن أصل الحركة بفعله، ولما علمت من أن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين كالخطأ فيه ضمان الدية في النفس، والقيم في الأموال إضافة إلى تفريطه بارتكاب السرعة المفرطة، كما لا تنتفي المسؤولية عنه إذا صرفها تفاديا لهلاكه فأتلف نفسا أو مالا لأنه لا يجوز له أن يسلم نفسه بإتلاف نفس غيره، ولا ماله بإتلاف مال غيره. 
وأما الدية الشرعية فهي للرجل مائة من الإبل مخمسة في الخطإ ومنجمة على ثلاث سنين، وللمرأة خمسون، ولا يلزم في بلد توجد فيه الإبل غيرها، ولا يجزئ عنها غيرها ولا أقل منها إلا إذا رضي به أهلها، فهي حق مالي يجوز لهم التنازل عنه والمصالحة منه، وإسقاط بعضه، كما لهم التمسك بجميعه وعدم التنازل عن شيء منه، ولهم أخذ قيمته، ومن أراد تفاصيل أكثر في موضوع الدية فليرجع إلى فتوى صادرة عن المجلس في الموضوع.

والله الموفق

شاهد أيضاً

موريتانيا تبكي فقيدها

وكالة تيرس مديا للأخبار (خاص): طغت وفاة المناضل الرمز محمد المصطفى ولد بدر الدين على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *