الرئيسية / ثقافة / صدق السائق… “لم تري شيئا بعد”!!

صدق السائق… “لم تري شيئا بعد”!!

إضافة: محمد ولد الشيباني

أمس قدر لي أن أرجع من العاصمة في سيارة نقل عمومي، اتصل بي السائق ليذكرني أن الموعد الواحدة زوالا، وصلت الكاراج وانطلقت السيارة لتمر بنا على مسافرات في عرفات والرياض، ولنضيف إلى الحمولة الزائدة أعمدة من الحديد للبناء، ثم توقفنا أخيرا لأخذ البنزين ولم نخرج من العاصمة إلا الثالثة والشمس على أشدها.

في الطريق وقفات عديدية للشرطة والدرك وأمن الطرق، ولكن السائق الذكي لم يكن ليضيع الوقت، بل ينزل بخفة ويقابل المسؤول ثم يستأنف سيره.

في مدينة تكند كان التلبث يسيرا، اشترينا خبزا متيبسا ونعناعا باهتا لا طعم ولا رائحة.

حين الوصول إلى قرية اتاكلالت بدأنا جولة غير سياحية؛ فغرب بنا السائق ليحط إحدى المسافرات، وإذا بنا ندخل في منعرجات حلزونية ضيقة لا تكاد السيارة تمر منها إلا بعسر شديد، ولولا عناية الله وتجربة السائق الطويلة لانقلبت السيارة أو اصطدمت بامتدادت الأسلاك الشائكة والخشب المائلة التي تسور طرفي الشارع في فوضى عجيبة.

سألته: كيف تغامر وتدخل هذه المداخل؛ ما ذا لو اعترضك طفل أو دابة سائمة أو صدمت عمودا خشبيا؟

ضحك قائلا: لم تري شيئا بعد!

كنت أحبس أنفاسي من شدة الخوف وضيق الطرقات والتوائها والتلال الرملية المتشعبة فيها، أنزل المسافرة ومتاعها، ودخل بنا متاهة أخرى أشد تعرجا والتواء وضيقا ليوصل الثانية في وسط القرية، ثم ضرب مشرقا لنشهد كيف يكون العبث العمراني، ضاقت الممرات أكثر، وحاصرتها أعمدة الكزرة من كل جانب ولم أصدق حين أنزل المسافرة الثالثة وبنتها.

نظرت جنوبا لأرى الفضاء والشارع الإسفلتي المحاذي للقرية…

لم يبق غيري، ولم أعرف أين أنا، لقد تنكرت لي القرية التي عشت طفولتها، وكنا نلعب الغميضة معا، ونبني من الطين منازل، ونصنع جمالا وقدورا.

لقد كبرت وامتدت وتهدل ثدياها وشاخت قبل الأوان.

كان الوصول إلى قلب القرية أصعب ما يكون؛ ماتت الشوارع التي كانت لاحبة في سالف الأيام، وقضى الساكنة على كل فراغ في القرية، إنهم لا يحبون الفراغات ولا يفهمون شبرا من الأرض غير مسور سواء كان على شكل مثلث أو معين أو اتخذ شكلا دائريا.

لا يحسبون حسابا للتخطيط العمراني ولا الحاجة للوصول إلى مكان بعينه، ولا إجلاء حالات خاصة -لا قدر الله-. المبدأ ألا تترك شبرا بينك مع المنزل الذي يليك، وأن تسور كل ما حلا لك تسويره بالأسلاك والأخشاب، والأعمدة الإسمنتية، لا حسيب ولا رقيب، ولا هم يحزنون.

الدخول إلى التاكلالت التي أصبحت قرية مدينة، ومركزا حيويا هاما، يقع ما بين المذرذره واركيز، ويزوره آلاف المنمين والزوار سنويا، ويمر به آلاف المنتجعين لجوخه هو كالدخول إلى قرية النمل، أو الكنز المرصود، تتشعب السراديب الضيقة إليه، وتتلوى كالأفعوان الثائر، ويضيع فيه الهادي الخبير.

لم أتعرف على قرية عهدي بها منذ مولدها الأول مخططة الشوارع، لاحبة الطرقات، سمحة المسالك دون مضايقة ولا حيف، وأصبحت لغزا من الأخشاب والأسلاك والمنعرجات!

مباركة ( باتّه) بنت البراء

—————————————————–

* هيئة التحرير هي التي اختارت العنوان الحالي للنص بدلا من عنوانها الأصلي الذي وضعته المؤلفة وهو: “أأنت القرية التي عهدت؟”. وخيارها وارد تماما ليس فقط لما يعبر عنه من مشاعر لدى الكاتبة وهي تجول بين ذكرياتها وما ينتابها من أحاسيس متباينة بسبب التغيرات العظيمة التيي تشهدها قرية طفولتها، بل إن الأمر يطال جميع المدن والقرى ليس في بلدنا فحسب، وإنما في العالم كله. فما نشهدها اليوم من معالم التقري والامتداد الحضري العشوائيين ينذر بالكثير والكثير. وقد صدق السائق حينما رد على حيرتها من الأمر، قائلا: “لم تريْ شيئا بعد”. ووُفِّقتْ هي بدورها في سردها الممتع كإطلالة في أدب الرحلات من بابٍ سهلٍ ممتنعٍ.

مدير التحرير: البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

من موقع موريتانيا المعلومة

شاهد أيضاً

دق “ناقوس الخطر” تحول إلى خطر بالغ قد يتكرر مع “التشاور الوطني” المنتظر!

إضافة: محمد ولد الشيباني بدورنا سوف ندق ناقوس الخطر، ونبدأه بمفارقة: بخبر مريح ربطناه بأمور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *