الرئيسية / مجتمع / دخلنا مرحلة الإرهاب الأبيض (حوار)

دخلنا مرحلة الإرهاب الأبيض (حوار)

خميس, 2021/10/14 – 23:00

في إطار مواكبة “موقع الفكر” لمجريات الساحة الوطنية، وسعيا منه إلى إطلاع متابعيه الكرام على تفاصيل الأحداث، بتحليل متوازن، ونقاش متبصر، نلتقي اليوم مع أحد المفكرين الاستراتيجيين العقيد المتقاعد البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي لنستطلع معه الإشكالات التي تواجه ومنطقة الساحل وما أبرز التحديات وكيفية مواجهتها. وفيما يلي نص المقابلة:
موقع الفكر : إلى أين تسير منطقة الساحل؟

البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي: سؤال عميق، ماذا نعني ب”منطقة الساحل”؟ وماذا نعني بكلمة “تسير”؟
فمنطقة الساحل من المفروض أنها حيز جغرافي. ولكن ما هي حدوده: هل تعني مجموعة دول الساحل الخمس التي نشأت سنة 2014؟، أم الشريط الساحلي الممتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر؟ ، تحديد منطقة الساحل يمثل إشكالية بالنسبة للباحثين..
و بالنسبة لي فهي تعني منطقة مجموعة دول الساحل الخمس (G5)، تلك المنطقة تشترك في مجموعة من الخصائص، منها أنها تعتبر من ضمن الدول الثلاثين أو الأربعين الأكثر تخلفا من حيث الناتج الداخلي الخام، وكذلك بالنسبة لمتوسط العمر تعتبر ضمن سبعة وثلاثين دولة من أكثر الدول تخلفا، وكذلك مؤشر فيما يعني مؤشر النمو البشري تعتبر من بين 29 دولة الأكثر تخلفا..
ومع ذلك تتفاوت هذه الدول في المؤشرات الثلاثة: فنصيب الفرد من الناتج الخام بالنسبة لموريتانيا كان قبل سنتين في حدود 1143؟ واليوم زاد، لأن البنك الدولي صنفها خارج الدول الفقيرة جدا، والتي يحق لها الاستفادة من بعض الامتيازات لأن الناتج الداخلي الخام زاد كثيرا، فأعتقد أنه في حدود 1600 دولارا، ولكن الناتج الداخلي الخام يطرح إشكالا بالنسبة للاختصاصيين الاقتصاديين و الديمغرافيين والاجتماعيين؛ لأنه يعتبر زيادة كبيرة ونقصانا كبيرا في آن واحد. لأن الإشكال المطروح ليس ارتفاع نسبة الناتج الداخلي الخام ، وإنما الإشكال المطروح هو كيفية توزيع الثروة ،لأن الناتج الداخلي الخام كلما ارتفع ارتفعت الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وبعبارة أخرى أنه كلما ارتفع الناتج الداخلي الخام ازداد الغني غنى والفقير فقرا ، وهذه المسألة مطروحة في مختلف أنحاء العالم ،وخاصة في منطقة مجموعة دول الساحل الخمس، ينضاف إلى ذلك أن جائحة كورونا زادت من الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وهذه إحدى المؤشرات الأساسية التي قد تنذرنا وتوضح لنا إلى أين يسير الساحل.

وأنا أقول -وهذه إجابة كسول: أن الساحل يسير إلى حيث يسير العالم لأن الخريطة الدولية الجيوسياسية ما زالت مطبوعة إلى حد ما بآثار الحرب الباردة، وذلك الطابع شهد فتورا ويلاحظ كذلك اندثار ذلك الفتور، حيث الفاعلون والمتنافسون أصبحوا أكثر. حتى إن الولايات المتحدة اعلنت أن خصمها الأول أو عدوها الأول هو الصين ثم روسيا. وهنالك قوى أخرى صاعدة كتركيا والاتحاد الأوربي الذي يبحث هو الآخر عن موطئ قدم، وهذه الصراعات الجيوستراتيجية بطبيعة الحال تؤثر على الساحل إضافة إلى ما صار يعرف بالأزمة بين النظام الحالي العسكري بمالي من جهة، والنظام الفرنسي من جهة أخرى، لأنكم تعلمون أن الماليين يتفاوضون مع شركة فاغنير الروسية التي تعتبرها فرنسا والغرب عموما قوات من المرتزقة وقد هددت فرنسا وألمانيا واستونيا بالانسحاب حال دخول قوات فاغنير

الروسية الأراضي المالية وأنتم تعلمون أن الدولة المالية تعتمد إلى حد كبير على الوجود العسكري الفرنسي، ويضاف إلى ذلك الضعف المتواصل “للقارة العجوز”، وبصورة خاصة فالطموح الفرنسي للعظمة ما زال يعبر عنه شفويا ولم تعد لها أدواته .خاصة أن الرئيس الفرنسي الحالي الذي يظهر تجاه أنداده من الأفارقة وفي العالم العربي الكثير من التعالي والغطرسة وعدم الاحترام. فقد وصف النظام الحاكم في مالي بأنه غير شرعي ورغم ذلك يتعامل معه، ومنذ فترة قصيرة استفز النظام الجزائري، حتى أن الجزائر أعلنت غلق مجالها الجوي أمام الطيران العسكري المتجه إلى الساحل. وهذا يخلق مشاكل للساحل، لأن تموين القوات الفرنسية الموجودة في مالي والنيجر يمر عبر الجزائر. سواء كان ذلك التموين للقوات الجوية أو القوات البرية، إذن أعود فأقول إن إعادة الخريطة الجيوسياسية ستؤثر لا محالة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في منطقة الساحل، وبصورة خاصة ما يسمى بمحاربة الإرهاب.
والمعطيات التي كنت أتحدث عنها تشير إلى أن موريتانيا من أفضل دول الساحل وضعية، وأعطيت على ذلك مثالا من حيث الناتج الداخلي الخام، وكذلك ترتيبها في جدول مؤشر الإرهاب العالمي، ويعتبر مقياسا للدول من حيث الأمن وهو تقرير يصدر سنويا عن مركز مستقل للبحوث ويوجد في أستراليا ،حسب بعض المقاييس كعدد العمليات العسكرية المفتوحة التي وقعت في البلد خلال السنة المعنية وعدد الضحايا الذين سقطوا في تلك العمليات ، و كمية الأضرار المادية الناجمة عن تلك العمليات. وهذا المؤشر منذ سنوات يقول إن موريتانيا “لا أثر” للإرهاب فيها. ولله الحمد سلمنا منذ سنوات من العمليات العسكرية ويعتبر ترتيبها جيد جدا، وليس مقارنةً بدول الساحل فحسب، بل بالنسبة لدول المغرب العربي ، ودول العالم بشكل عام، ففي سنة 2018 صنف هذا المؤشر موريتانيا في الرتبة 138 عالميا ،وهذه المرتبة جيدة جدا لأن الترتيب من حيث الأفضلية ترتيب تنازلي بينما ترتيب النيجر في الرتبة 20 ومالي في الرتبة 22 بينما بوركينا فاسو37 وتشاد 34.
وفي سنوات 2019 ، 2020 ، 2021 ما يزال ترتيبنا في نفس الرتبة، وساء ترتيب بعض الدول خاصة النيجر وبوركينافاسو وهناك تفاوت من حيث حجم التهديد على تلك الدول. فموريتانيا منذ أكثر من 11 سنة لم تشهد عملية عسكرية مفتوحة على أراضيها ، لكن هل هذا يعني أننا في مأمن من الإرهاب؟ والجواب بالطبع لا! لسببين: الإرهاب عملياته مفتوحة على حدودنا مع مالي وقد أضرت بنا مؤخرا فمنذ فترة قصيرة اختطف عمال موريتانيون وعمال صينيون يعملون في شركة موريتانية تقوم بأعمال داخل التراب المالي ولكن على القرب من حدودنا.
والتقييم الغربي يضع أكثر من ثلاثة أرباع بلادنا في المنطقة الحمراء، حسب الخريطة التي تصدرها فرنسا وهي لم تتغير منذ اكثر من سنة ، خلافا لما كتبته بعض المواقع الموريتانية من تغير هذه الخريطة. وهذان العنصران يجعلاننا لسنا في مأمن من الإرهاب، وما نعلمه نحن المدنيين ليس ما يعلن لأن المواجهة مع الإرهاب مستمرة في الخفاء ،من خلال تفكيك الخلايا ومحاربة الفاعلين في الجريمة المنظمة العابرة للحدود ،إضافة إلى انتشار الفكر المتطرف الذي ينتشر في بلادنا، ويأتي إليها من كل مكان ،حتى إنه في الفترة الأخيرة انتشرت بعض الصوتيات التي تحرض على بعض الشرائح وتدعو إلى العنف، وبعضها قد يكون مسجلا داخل البلاد أو من موريتانيين أغراب، واليوم لم يعد هناك من غريب، لأن وسائط التواصل الاجتماعي جعلت الحدود غائبة. فما يتم تسجيله في كندا يمكن سماعه في موريتانيا نفس اللحظة، إذن الخطاب الشرائحي والخطاب العنصري والعنيف ما زال ينتشر مستخدما الوسائط الاجتماعية، وهو بذلك يشكل رافدا للإرهاب كذلك حركات الشارع عندما تتم المسيرات والتظاهرات والاحتجاجات في أشكال مختلفة تخرج عن السيطرة تصبح ثورات ، وقدعشناها مؤخرا في مدينة اركيز ، فما وقع من أضرار مادية وبشرية يشكل رافدا وبيئة خصبة للتطرف العنيف وبالتالي تغذية للإرهاب. .
والإرهاب كظاهرة من الظواهر البشرية متغير لا يدوم على حال ولا على صورة. وأسمح لنفسي بسرد تاريخي بسيط جدا. ففي القرن الماضي كان الإرهاب يعرف بأنه ذو لون أحمر: بمعنى الجماعات ذات الميول الاشتراكية واليسارية والتحررية. ومنذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي صار يعرف بأنه إسلاموي بمعنى أنه يرتبط بالحركات ذات التوجه الإسلامي التي تميل كثيرا أو قليلا إلى العنف سواء كانت مقتنعة بالشعار الإسلامي أو غير مقتنعة به. وسمي “باللون الأخضر” باعتبار أن اللون الأخضر هو لون الإسلام. واليوم يلاحظ نمو متزايد لما يسمى بالحركات الشعبوية في الغرب وهم الانتقائيون البيض وبلغت تلك الحركات ذروتها لما تم احتلال مبنى الكابتول – مقر الكونغرس- من طرف أنصار الرئيس ترامب وبتشجيع منه. وهذه الحركات يتغذى عليها إرهاب غربي عنصري يمكن أن يسمى إرهابا أبيضا. وأشير إلى رسم تشكيلي تمثل في لوحة فنية نشرها حزب أوربي يميني متطرف: تظهر في اللوحة شجيرة صغيرة يسقيها رجل كبير وبها حبل طويل مربوط في جذعها والحبل معقود برقبة الرجل وكلما نمت الشجيرة خنق الرجل حتى يموت خنقا والشجيرة في نظر الرسام هي الإسلام والرجل الذي يسقيها هو أوربا. وهي لوحة تحريضية دعائية ضد الإسلام وأنا أعتبرها تعبيرا جيدا عن هذا التيار الذي يشكل الوجه الجديد للإرهاب.

وأعود فأقول: إن الإرهاب ظاهرة متغيرة ، بدأ “أحمر” مع الحركات اليسارية وانتقل إلى “أخضر” مع الحركات الإسلاموية والإرهاب الذي نحن بصدده اليوم إرهاب “أبيض” مع حركات اليمين المتطرف في العالم الغربي..
موقع الفكر: ألا تساهم الدولة في تغذية خطاب الكراهية من خلال سكوتها عن مروجيه من جهة، وعن المقصرين في تقديم الخدمات العمومية من جهة أخرى؟
البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي: الدولة دورها دور أساسي لأن مهمتها الأولى هي الأمن، الدفاع عن الأفراد والدفاع عن الحدود والممتلكات ومواجهة التهديدات أيا كانت، ولكن الدولة عندما تجد نفسها في مواجهة الغضب سواء كان غضبا شعبيا أو فرديا أو احتجاجيا تجد نفسها بين المطرقة والسندان. فهي مسؤولة عن مواجهة الغضب وعن علاج أضراره المباشرة طبقا للقانون وفي حالة وقعت مخالفة القانون يجب أن تضرب بقوة ويجب أيضا أن تتخذ الإجراءات الوقائية والإجراءات العلاجية، فهي في موقع صعب، فعندما تضرب بقوة ترمي بالتجاوز وبعدم الديمقراطية وبقمع الحريات.
الدولة مسؤولة، ولكن المسؤولية الأولى تقع على كاهل الضمير الوطني الذي يتحلى به كل منا وعندما يكون الضمير الوطني والمدني ناقصا، فلا شك أن السلوك الفردي ومن ثم السلوك الجمعي سيتأثر بسهولة بكل الإغراءات الفكرية المتطرفة، وهذا دورنا جميعا، وأنا أرى أن استتباب الأمن ضد الفكر المتطرف يقع أولا على العاملين في مجال الإعلام، ويجب على الدولة أن توفر لهم الوسائل و الأطر التنظيمية اللازمة وحسب المؤشرات التي تراقب حرية الصحافة فإن بلادنا من أحسن دول المنطقة في هذا المجال.
وفي هذه الوضعية التي وصفتها بأن فيها إعادة ترتيب للخريطة الجيوسياسية تمتاز أيضا بظهور المنظمات الجهوية وهذه المنظمة التي ذكرت– (مجموعة دول الساحل الحمس)- تعتبر منظمة جهوية موريتانيا عضو فيها، وعضو في اتحاد المغرب العربي الذي ما زال ميتا مع الأسف وعضو في الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وعضو مؤسس لمجموعة دول الساحل الخمس وهذا يعطي قوة لموريتانيا أثناء حوارها مع الفرقاء الخارجيين، حيث أصبحت مع أربع دول تتكلم كلها بلسان واحد وهذا يعطي قوة لخطابها في المفاوضات وعلاقات التعاون هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان من المفروض التشارك في الوسائل الموريتانية والوسائل المالية والنيجيرية إلى آخر القائمة، لكي تتمكن كل البلدان من الاستفادة، وفي إطار التعاون أنشئت القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس وبلغت لحد الساعة خمسة آلاف جندي في الحدود بين هذه البلدان وأكثرها انتشر فيما يعرف بالحدود الثلاثية بين النيجر وبوركينافاسو ومالي. أما موريتانيا فانتشرت على حدودها قوات تتألف أساسا من الكتيبة الموريتانية، ونحن بحاجة إلى تأمين حدودنا خاصة في وجه التوسع الجغرافي الذي شهدته الجماعات التي توصف بالجهادية، وتقويتها التي من المتوقع أن تجد دفعا جديدا بسبب ما سميته بإعادة الخريطة الجيوسياسية وانتصار حركة طالبان التي توصف بأنها حركة جهادية إرهابية، على النظام الأفغاني التابع للولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى عامل آخر وهو تخفيض أعداد القوات الفرنسية، التي تعرف بعملية “برخان” والتي من المقرر أن تتراجع أعدادها بالنصف ،وسوغت حجة جديدة وهي دخول الشركة الروسية “فاغنير” على الخط.

وفي وجه هذه التطورات الدولية ذات الأثر الجيوسياسي والأمني على المنطقة، تحتاج موريتانيا إلى وجود فرقاء محليين وبحاجة إلى أن تضم صوتها إلى أصوات دول مجاورة. والنقص ونقطة الضعف للأسف تكمن في عدم تفعيل اتحاد المغرب العربي ،واستحالة إحيائه من سباته طالما أن الصراع مفتوح بين المغرب من جهة، والبوليزاريو مدعومة من طرف الجزائر من جهة أخرى.

موقع الفكر: كيف يمكن لموريتانيا أن تستفيد من تجربة مثل تجربة G5 لتجاوز هذه التحديات وكيف يمكن لبلدنا أن يوظف خبرة الأجيال العسكرية في تجربة G5؟
البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي : في المجال الأمني هنالك قوتان حاسمتان:

الجيش والشرطة والدرك ،والحرس وأمن الطرق وخلال اثنتي عشرة عشر سنة الأخيرة (…) تعزز أداء القوة العسكرية حيث يلاحظ إجراء تحسينات معتبرة…
الأمن انضافت له أبعاد جعلته شاملا، ولما كان شاملا أصبحت له قوى أخرى كالنمو الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، وهي ما أسميه بالقوة الناعمة، وهذه المسائل تحتاج موريتانيا إلى تنميتها.
ولكل موريتاني دور يجب أن يؤديه ، فالعسكريون أثناء الخدمة لهم دور يؤدونه ، وبعد الخدمة كذلك يعمل بعضهم في التفكير الاستراتيجي ،وهذا حالي وسر وجودي معكم ، وبعضهم أنشأ معاهد ومراكز للبحوث والدراسات الاستراتيجية ،وينبغي أن يشجعوا وخاصة في المجال المالي.
والتشجيع له طريقتان، طريق تنشئه الحكومة عبر الأطر القانونية والطريق الثاني يتعلق بالقطاع الخاص من بنوك ورجال أعمال وغيرهم، وهم مع الأسف غائبون تماما في مجال الدعم الأمني، ويجب كذلك تعبئة قدماء الموظفين في المجالات الأخرى ،من أساتذة جامعيين وحكام وولاة وغيرهم في مجال القوى الناعمة.

موقع الفكر: ما تقويمكم لواقع الجريمة في موريتانيا ؟
البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي: الأمن فيه مكونتان ولا ينبغي إهمال أي منهما، أولاهما المكونة الملموسة، الجريمة الملموسة التي يتم ضبطها و معالجتها ،ثم يقع بعدها ما يسمى بالتهديد المحسوس، وهو الشعور بعدم الأمن الذي يؤدي إلى عدم الأمن ،و ما وقع مؤخرا في مدينة نواكشوط من جرائم قتل واغتصاب وسرقة وامتازت بالعنف وكان عددها محدودا من حيث الكمية، ومن حيث نطاقها الجغرافي، بينما بلغ أثرها النفسي والدعائي جميع أنحاء الوطن ، وانتشر وهذا ما أسميه بالتهديد المحسوس وهو الشعور بعدم الأمن. ورغم ما وقع، فالبيان الذي صدر عن السفارة الفرنسية بعد هذه الجرائم بشهرين، قال إن مدننا أكثر المدن أمنا من حيث الأمن الحضري ، مقارنة بالبلدان المجاورة. لذلك أرجو أن يكون تعاملنا مع الجريمة سواء كانت جريمة محلية أو جريمة عابرة للحدود تعاملا سليما، نتعامل مع الجريمة الملموسة وذلك دور الشرطة والقضاء، ونتعامل مع الشعور بالجريمة وذلك دور الإعلام والتثقيف، وللدولة فيه دور يجب أن تلعبه، وهو أن تقاوم الإشاعات والدعاية الضارة بالأمن وأظن أنه أصدرت تعليمات واتخذت إجراءات من هذا القبيل.
والجريمة ترتبط بالهجرة سواء كانت الهجرة هجرة شرعية، أو غير شرعية باتجاه أوربا و بالفعل بلادنا هدف من أهداف الهجرة، وهي معبر من معابر الهجرة وليست المعبر الوحيد. فالسنغال تذهب منه القوارب باتجاه أوربا وكذلك المغرب ومالي… المهاجرون يذهبون عبر السيارات عبر الصحراء، وهنالك من يقصدوننا بالهجرة للبحث عن العمل ونحن بدورنا نعاني من الهجرة : يهاجر أبناؤنا إلى أوربا والخليج وغيرهما ،من البلدان.
وهجرة العقول خطيرة بالنسبة إلينا ومربحة للأخرين فعلى سبيل المثال اتخذت فرنسا موقفا يدعو لاستقبال هجرة الأدمغة، وقد عبر الرئيس ساركوزي في عهده عن “الهجرة المختارة”. وحدثت منذ أيام أزمة بين فرنسا من جهة والمغرب والجزائر وتونس من جهة أخرى بسبب نقص أعداد التأشيرات الممنوحة من طرف فرنسا لمواطني هذه البلدان، وإضافة شروط جديدة ومن بين هذه الشروط أن يكون المهاجر مفيدا لفرنسا.

ولذلك نحن أيضا ينبغي أن نحارب الهجرة المضرة الصادرة عنا، كما نحارب الهجرة المضرة الوافدة إلينا، وذلك بتوفير الأدوات اللازمة لبقاء أدمغتنا في البلد. وأعطي مثالا: الباحث الدكتور يحيى بن حامدٌ- تغمده الله برحمته الواسعة-عندما هاجر إلى فرنسا في الثمانينات لم تكن لموريتانيا جامعة حقيقية آنذاك، ولا يوجد بها تخصص في البحوث الأساسية في الرياضيات. وبالتالي لا مجال لبقائه في موريتانيا، وأذكر كذلك أثناء جائحة كورونا أنني سررت وحزنت في نفس الوقت، لأن مجموعة من كبار الأطباء الموريتانيين قدموا من أوربا لمساعدة البلاد، وكانت تخصصاتهم كبيرة، فقد هاجروا لأننا عاجزون عن توفير الأطر الكافية لتوظيفهم.
وأعود مرة أخرى فأقول إنه يلزم وجود مجهود في هذا السبيل ،وخاصة من طرف القطاع الخاص في مجال البحوث، والبحوث في مستويين بحوث أساسية وتلك نتيجتها تأتي على الأمد البعيد، وبحوث التنمية التي تأتي نتائجها بسرعة ،وأعود فأقول إن الهجرة معضلة ،وبعد ذلك يبقى الشعور بالطمأنينة أو الحرمان داخل موظفينا ،سواء كانوا عسكريين أو مدنيين وخاصة العاملين في المجالات الحساسة وأن تتبع سياسة ما يسمى سياسة الاستحقاق ،وأن يكون المستحق هو من ينال الرتبة والوظيفة الكبيرة والامتياز، وهذا الموضوع مثير و سيبقى دائما موجودا، ولكن ينبغي أن يكو ن من شغل القادة وأصحاب القرار الأساسين.

موقع الفكر: ما تقويمكم لسنتين من حكم الرئيس محمد بن الشيخ الغزواني؟

البخاري بن محمد مؤمل اليعقوبي: ليست سنتان مدة كافية بالنسبة لبرنامج معد على فترة خمس سنوات، وكان للأسف من الرؤساء الذين بدأوا فترتهم مع جائحة كورونا. وجائحة كورونا ألقت بظلالها المضرة على جميع الميادين.

وأنا أظن أنه كان من حظ موريتانيا أن الرئيس محمد بن الشيخ الغزواني هو من كان يتولى قيادتها، لأن المرحلة تتطلب الكثير من الرزانة والهدوء والتحكم في الأعصاب، وكثير من التشاركية. وهذه هي صفات الرجل ،وأظن أن المسار كان مسارا جيدا مقارنة بالإكراهات التي سببتها جائحة كورونا ،لأن الحياة كادت أن تتوقف في البلدان الصناعية فما بالك بالدول الفقيرة!

المصدر: موقع الفكر

شاهد أيضاً

دق “ناقوس الخطر” تحول إلى خطر بالغ قد يتكرر مع “التشاور الوطني” المنتظر!

إضافة: محمد ولد الشيباني بدورنا سوف ندق ناقوس الخطر، ونبدأه بمفارقة: بخبر مريح ربطناه بأمور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *