الرئيسية / ثقافة / موريتانيا 2021: ضرورة تصحيح السياسات قبل تعديل الحكومات / بوبكر عبد المومن

موريتانيا 2021: ضرورة تصحيح السياسات قبل تعديل الحكومات / بوبكر عبد المومن

إضافة: محمد ولد الشيباني

خلال الأيام الأخيرة خرجت الي السطح موجة من الانتقادات الحادة للحكومة بسبب ضعف الاداء، حتي وصل الامر الي تسريب ان فخامة الرئيس شارك بدوره في تلك الانتقادات وهو أمر مفهوم بالنظر الي عدم ملامسة السياسات العامة للواقع المعيشي للسكان.

وإن كان الجميع يدرك الفقر الحاد في كفاءة ومستويات العديد من الوزراء بسبب الارتجالية الظاهرة والتخبط في القرارات، لكن الضعف الشديد في التخطيط كان ولا يزال اهم عائق أمام السياسات الاقتصادية والتنموية في موريتانيا منذ اعتماد الليبرالية مطلع التسعينات حتي اليوم ـ حيث غاب التخطيط المبني علي أسس علمية والمنطلق من حاجيات حقيقية، وحضرت بشكل قوي الارتجالية المبنية علي الشعارات السياسية.

كارثة التخطيط التنموي

فالمتتبع العادي للسياسات التنموية في موريتانيا يلاحظ ببساطة قصور في الرؤية واختلال في تشخيص التحديات الكبري، والاقتصار على معالجات محدودة للمشاكل وانحرافها عن الواقع المعيشي بسبب:

عدم دقة المعطيات إذ يعتبر الاحصاء ذو الطابع الاقتصادي أساس السياسات التنموية فقد تم وضع الاطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر الذي شكل محور السياسات التنموية ما بين العام 2000 و2015 وانفقت فيه المليارات علي اساس معطيات احصائية غير دقيقة – باعتراف السلطات – وهو ما شكل أكبر عائق أمام تحقيق أهدافها.

وتكرر نفس الخطأ حيث تمت صياغة الإستراتيجية الوطنية للنمو السريع والرفاهية المشتركة (SCAPP) سنة 2016 للفترة 2018-2030 بناءا علي معطيات احصاء 2013 بنفس الطريقة من دون أي برنامج مسبق لتعزيز القدرات الاحصائية وهكذا صيغت الاستراتيجية أولا قبل بدأ تنفيذ إصلاح قطاع الاحصاء الذي وضعت له استراتيجية وطنية سيتم تنفيذها في الفترة ما بين 2016 و2020 أي بمعني أخر تم الاعتراف ان المكتب الوطني للإحصاء يحتاج إصلاحا وفي نفس الوقت تم الاعتماد علي الإحصاءات التي قام بها.

وبنفس المعطيات تقريبا وعلي نفس المنوال تسير مخططات أولوياتي، أولوياتي الموسع، الإقلاع ….الخ

وقد ظهر جليا الخلل الكبير في الأرقام الإحصائية حين صدقت الحكومة الأرقام الإحصائية المتعلقة بوجود منتوج محلي من الجزر والطماطم وتم منع استرداديهم قبل ان تتراجع عن القرار في اقل من أسبوع تقريبا بعد ان اكتشفت ان هذه الاحصائيات ليست الا ضربا من خيال!!

ومن المفارقات الغريبة في موريتانيا أن غالبية المشاريع الممولة من طرف الشركاء في التنمية والتي يفترض أن تكون أداة لتحقيق وتنفيذ الخطط المختلفة، تحولت هي نفسها إلي موجه للإستراتيجيات وهو ما يعطي الانطباع بأن مختلف الاستراتيجيات التنموية في موريتانيا تم وضعها من أجل الحصول علي التمويلات فقط وليس من اجل تحقيق نتائج ملموسة علي ارض الواقع.

وعلي مستوي السياسات القطاعية يلاحظ علي سبيل المثال:

خلل كبير جدا في قطاعي الزراعة والتنمية الحيوانية وهما القطاعين الذين يلامسان حياة غالبية السكان بشكل مباشر حيث أن السياسة المتعلقة بالتنمية الحيوانية تم وضعها من دون تعداد للماشية فآخر احصاء يعود الي الحقبة الاستعمارية وتم وضع السياسة الزراعية من دون تصور واضح حول ملكية الأراضي الزراعية إذ لا توجد إحصاءات موثقة عن ملكية الأراضي في حوض نهر السنغال باستثناء سجلات للأراضي في روصو كما يلاحظ ببساطة ان السياسات الزراعية لا تفرق كثيرا بين الزراعة التقليدية والزراعة المروية. وتشترك كلها في غياب معالجة جادة لاشكالية تمويل هذا القطاع.

وتعطي هذه الاحصائيات الانطباع بأنها مضخمة من أجل تبرير شراء كميات كبيرة من الاسمدة و المبيدات بالنسبة للقطاع الزراعي والاعلاف والادوية بالنسبة لقطاع البيطرة.

ويلاحظ أيضا غياب مفهوم الصحة الواحدة عن الإستراتجية الوطنية الصحية بما يعنيه من تركيز علي العلاجات وإهمال للوقاية اذ يعتبر الإنفاق علي الوقاية (المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية) محدودا مقابل الإنفاق علي الرعاية الصحية الذي يعتبره صندوق النقد الدولي كارثيا حيث يرجح أن يتراجع 1.5 في المئة من السكان خلف خط الفقر بسبب الإنفاق الكارثي على الرعاية الصحية (أي أكثر من 160 شخصا في اليوم الواحد).

ولا توجد نظرة استراتيجية لتحقيق الامن الغذائي باستثناء بعض الاستراتيجيات والخطط التي تٌعد في إطار البحث عن التمويلات، إذ تمحورت تدخلات الدولة علي شكل معونات غذائية، و غابت التدخلات التي تهدف الي كسر الاحتكار وتشجيع استقرار الاسعار أو تخفيضها والتي تعتبر أهم معوق للمجال حيث كشف التحليل الذي أُجري لسعر القمح والأرز المستوردين في نواكشوط في العام 2014 أن أكثر من نصف سعر التجزئة هو هوامش ربحية للتجار الموزعين.

وفي مجال التشغيل تتركز جميع الخطط علي محور الطلب و تهمل العرض بشكل مطلق إذ تنحصر في مجال تكوين و تدريب العاطلين علي حساب خلق الفرص وهكذا يتم الانفاق علي تحضير الشباب العاطل من اجل الحصول علي وظائف غير موجودة اصلا ذلك أن سبب الأزمة الحقيقي هو عجز الاقتصاد عن إنتاج وظائف.

ويعتبر مجال التعليم اكبر ضحية للسياسات والخطط المتضاربة، إذ مر علي عدة سياسات اصلاحية فاشلة تشترك كلها في زيادة الكم من دون تعزيز آليات رقابته وتسييره بالإضافة الي اهمال جودة التعليم ونتائجه ولا أدل علي ذلك من أن الموارد المحددة لتحسين نتائج التعليم تمثل 15 في المائة من الانفاق علي المجال مقابل 85 في المائة للنفقات الجارية.

ويلاحظ ضعف التخطيط في سياسات التكوين المهني حيث تتجاهل القطاعات الهامة فعلى سبيل يشغل قطاعي الزراعة والتنمية الحيوانية حوالي ثلثي القوي العاملة في البلد ومع ذلك تم تجاهلهما بشكل تام من طرف هذه السياسات.

وفي مجال الصيد لا تحتوي مختلف الخطط الوطنية المتوالية لتطوير القطاع علي أي مقترح لترقية المنتج ولا علي تطوير تسويقه، حيث لا تزال الشركة الوطنية لتسويق الاسماك تتولي بيع الانتاج المحلي لنفس الزبناء بنفس الاسلوب منذ أكثر من 30 عاما، كما أن القطاع عاني من الكثير من القرارات الارتجالية التي تفتقد لأبسط معيار فني فعلي سبيل المثال تم اتخاذ قرار بإبعاد منطقة الصيد السطحي من 12 الي 20 ميلا أي ارغام السفن علي الصيد في منطقة لا توجد فيها ثروة بالرغم من توفر المعطيات العلمية التي تؤكد عدم وجود اسماك في تلك المنطقة، و قد تراجعت الوزارة عن القرار ايضا من دون أي استشارة فنية، وكمثال أيضا تم اتخاذ قرار بطرد الصيادين السينغالين من دون التأكد من توفر الصيادين الموريتانيين أو خطة تدريجية للمرتنة وهو ما تسبب في شلل لقطاع الصيد التقليدي.

كما تم السماح بإنشاء حوالي 20 مصنعا لدقيق وزيوت الأسماك من دون أي اعتبار لكميات السمك الموجودة، ومن اجل حل هذه المشكلة تم استقطاب عشرات السفن التركية لتوفير المادة الأولية لهذه المصانع، وهو الحل الذي تسبب في أزمات اخري!!!!

هذا بالإضافة الي عشرات الاختلالات المشابهة في قطاعات النقل، المعادن، المياه ….الخ

وطالت أخطاء التصميم والتخطيط البرامج الاستعجالية فمثلا يؤكد التقرير التقويمي لبرنامج أمل الذي يعتبر أهم برنامج استعجالي خلال السنوات الاخيرة أن المنح التي يستفيد منها السكان تمثل 40 بالمائة فقط من البرنامج بينما تستهلك نفقات التسيير (رواتب الموظفين ـ ايجار المحلات والمخازن ـ نقل البضائع …الخ ) نسبة 60 في المائة. وتحاول الحكومة حاليا بعث هذا البرنامج من جديد من دون التفكير في تصحيح هذا الاختلال.

ولم تسلم المشاريع الاقتصادية المنجزة من سوء التخطيط وغياب دراسات الجدوائية وضعف دراسات ما قبل التنفيذ وهو ما أدي الي عدم الاستفادة الشاملة من هذه المشاريع في أحسن الاحوال وضياعها في اسوأ الاحوال فمثلا :

أنفقت المليارات في مشروع نهر السنغال من دون رؤية واضحة للاستفادة من مياهه وهو ما جعلنا اليوم لا نستهلك من حصتنا منه سوي أقل من 12%، والباقي مياه تضيع سدي في المحيط. كما أن مشاريع الاستصلاح المائية الكبري في حوض النهر قضت علي الزراعة الفيضية، ولم تؤدي إلي تطوير الزراعة المروية وهو ما حول تلك المنطقة الي مثلث للفقر بعد أن كانت مصدر الحبوب في موريتانيا.

وقد شكل برنامج كهربة 13 مدينة أهم البرامج في مجال الطاقة في التسعينات حيث اعتمد في انجازه علي مولدات تعمل بالبنزين العادي الذي ما لبث أن تضاعفت أسعاره بشكل متسارع ليتحول المشروع الي عبأ مالي يثقل كاهل ميزانية شركة الكهرباء قبل ان تتدخل السلطات مؤخرا لتزويد المحطات بالطاقة الشمسية للتقليل من الاعتماد علي البنزين.

وتم الاستثمار في انتاج عشرات الميغاواتات من دون ايجاد استهلاك حقيقي له كما أنه أكبر بكثير من سعة شبكات النقل او التوزيع الموجودة واصبح هناك فائض كبير جدا يتم هدره وتحاول الحكومة استغلال هذا الفائض خلال محاولات تصديره الي الدول المجاورة.

ويبقي أكبر خطـأ كارثي هو استثمار المليارات في شركة صوملك لزيادة انتاج الطاقة الكهربائية في الوقت الذي لا تزال يضيع ما بين 25 الي 30 في المائة من الانتاج قبل وصله للمستهلك ولا تسدد فواتير ما قيمته 20 في المائة، إن زيادة الانتاج بهذا الكم ورغم هذه الخسارة الفنية والتجارية ليس إلا زيادة في حجم الكمية الضائعة.

وفي مجال المياه يعتقد أن ضخ مياه أفطوط الساحلي في شبكة توزيع نواكشوط القديمة والمتهالكة هو الخطأ الفني القاتل الذي تسبب في ارتفاع منسوب مياه العاصمة وشكل مصدر قلق كبير خلال السنوات الماضية.

نفس الشيء ينطبق علي مطار نواكشوط الجديد أم التونسي الذي تم بناؤه بطاقة استيعابية كبيرة جدا ومن ثم بدأت رحلة البحث عن مسافرين، و هو ما لم يتم ايجادهم لحد الساعة !!!.

ويستمر نفس المشكل في مجال التنمية الريفية حيث حاولت الوزارة تثمين المنتجات الحيوانية ببناء مصنع للألبان في مدينة النعمة من دون ضمان امدادات دائمة من الحليب والذي لا يتوفر إلا في موسم الخريف وفي بقية المواسم تهاجر قطعان الماشية بعيدا عن المصنع للبحث عن الكلأ ولتدارك هذا الخطأ الكارثي تحاول الجهات المعنية تثبيت بعض القطعان من خلال انشاء مزرعة للأعلاف في المنطقة تعتمد علي مياه جوفية وهو خيار قد لا يكون صائبا بالضرورة.

وقد تم اخذ قرار زراعة القمح دون التفكير في مكان زراعته فالإستصلاحات الموجودة صممت لزراعة الأرز وهو محصول يتحمل الغرق ويمكنه إكمال دورته في الماء عكس القمح وتمت محاولة فاشلة لإدخال زراعة البطاطا في بحيرة كنكوصة بسبب اخطاء فنية اخري .

وتم انشاء منطقة أنواذيبوا الحرة بشكل ارتجالي ومن دون جدوائية واضحة ونفس الشيء ينطبق علي محاولة انشاء بورصة للأسهم في نواكشوط وهو المشروع الذي لم ير النور.

ولم تسلم شركة سنيم من الاخطاء الفنية القاتلة فبرغم تجربة الشركة في معالجة الخامات من خلال مصنع القلب 1 يعاني مصنع القلب 2 من أخطاء فنية كبيرة حيث بالكاد ينتج مليون طن سنويا حاليا علي الرغم من كونه نسخة من المصنع الأول.

وتعاني غالبية البني التحتية والتجهيزات المختلفة في كافة القطاعات من ضعف شديد في الصيانة وعدم انتظامها في احسن الاحوال وغيابها التام في أسوأها.

وحتى علي مستوي متابعة وتقييم المشاريع يلاحظ أن جميع مؤشرات قياس الاداء تركز علي النواحي الادارية للمشروع فقط من دون أي تقييم للخطط الفنية ولا للأثر الاقتصادي والاجتماعي.

من يخطط لموريتانيا ؟

بطبيعة الحال لا تتحمل الارادة السياسية هذه الاخطاء الكارثية بقدر ما تتحمله الطواقم الاقتصادية والفنية هذا بالإضافة الي البنك الدولي وبقية الشركاء.

وترجع أهم أسباب هذا الفشل الي ضعف كبير في القدرات الفنية والعلمية بالنسبة لأجهزة التخطيط المحلية (مصالح حكومية، مكاتب دراسات خاصة …الخ) فغالبية المعنيين إما من خارج المجال أو من عديمي الخبرة و أما الخبراء فعلي قلتهم تتلخص خبرتهم في المشاركة في اعداد دراسات وخطط تنموية فاشلة سابقة في موريتانيا

إن الفشل المتكرر للدراسات واذ الخطط دفع القيادات السياسية المتعاقبة في كثير من الأحوال الي فقدان الثقة في نتائجه وتجاوزها من خلال تنفيذ مشاريع لم تبرمج في الاستراتيجيات التنموية ـ كما لم تعد توافق علي تخصيص مبالغ كبيرة للتخطيط ولا انتظار الوقت الكافي لاستكماله.

الطريق الي الحل ….مقترحات

أولا : علي المستوي التنظيمي

إنشاء مجلس أعلي أو هيئة عليا للتخطيط مكون من خبراء يتولى وضع رؤية اقتصادية وطنية لخمس او عشر سنوات علي الاقل ومن ثم القيام بمراجعة استعجالية لجميع الخطط والسياسات وتقويمها.

ثانيا : تدقيق ومراجعة جميع المعطيات الاحصائية المتوفرة

القيام بإحصاء اقتصادي تصحيحي من اجل تدقيق الاحصاءات السابقة، ويقترح ان يتم اجراءه من طرف مكتب دولي متخصص بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء. هذا بالإضافة الي تدقيق استعجالي لكافة الاحصائية الموجودة واستكمال المعطيات الغير متوفرة.

ثالثا : علي مستوي تعزيز القدرات الاحصائية

اطلاق خطة استعجاليه لتعزيز قدرات المكتب الوطني للإحصاء ومراجعة المعطيات الاحصائية المتوفرة، كما انه من المفيد الاستعانة ببعض مكاتب الدراسات العالمية المتخصصة من اجل تدقيق عمل المكتب واحصائياته المختلفة.

رابعا : علي مستوي المخططين

الاستعانة بمكاتب الدراسات العالمية من الصنف الأول خصوصا في الخطط الاقتصادية الكبري والاشكالية التنموية الرئيسية علي غرار غالبية دول العالم إذ لا تكفي خبرة المكاتب الوطنية ولا خطط المؤسسات الدولية – المتمحورة اساسا حول الاصلاحات الهيكلية – لإحداث الطفرة المطلوبة.

وختاما

من الواضح جدا القصور الكامن في مختلف السياسات العمومية خلال الفترات السابقة كما انه من المؤكد ان هذه الاختلالات تسببت في ضياع الكثير من المجهودات البشرية والموارد المادية.

ومهما توفر من ارادة سياسية او تم تكليفه من حكومات تكنوقراطية او اعادة هيكلة وزارات فمن دون خطط سليمة ستضيع كل المجهودات وتهدر كل الموارد

شاهد أيضاً

للإصلاح كلمة توضح أسباب الانفلات الأمني المذكور في الساحة (3) / محمدّو بن البار

إضافة: محمد ولد الشيباني أولا كلمة الإصلاح تأسف علي مصادفة يوم كتابتها بيوم اغتيال الأستاذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *